جريدة

القضايا المجتمعية الراهنة وأسئلة الثقافة والتنمية والديمقراطية من وجهة قراءة عبد الحكيم قرمان رئيس مؤسسة الدراسات والأبحاث – التهامي الخياري

حاوره الكاتب الصحفي: إبراهيم بن مدان

استعدادا لإطلاق برنامج عملها برسم الموسم الثقافي والعلمي الثالث 2023، والذي يصادف الذكرى العاشرة لوفاة الراحل – التهامي الخياري، أجرت جريدة “أصوات” لقاء مع الأستاذ “عبد الحكيم قرمان”، رئيس مؤسسة الدراسات والأبحاث – التهامي الخياري، حول راهنية المشهد الثقافي المغربي، ودور المثقف والمؤسسة والأحزاب السياسية والدولة في إثراء وتجويد هذا المشهد بما يحقق التنمية، ويساهم في تعزيز قيم الانفتاح والحداثة والديمقراطية ببلادنا، من بوابة الفعل الثقافي المؤسس لحاضر وطني قوي قادر على صناعة التغيير من بوابة الاهتمام بالانسان باعتباره المدخل الأساسي لتحقيق الإقلاع الشامل. 

1 –  بداية، وأنتم تحيون الذكرى العاشرة لوفاة المثقف والاقتصادي والمناضل السياسي الراحل التهامي الخياري، نريد استقراء وجهة نظركم حول واقع الحياة الثقافية والعلمية ببلادنا وما هي ممكنات تحقيق التنمية وتعزيز الديمقراطية ببلادنا عبر تثمين حقول المعرفة العلمية والثقافية والفنية كمداخل أساسية للتنمية المجتمعية؟

 

ج- بداية، أتوجه باسمي الخاص وبالنيابة عن المكتب التنفيذي للمؤسسة وكل منتسبيها من باحثين ومثقفين وقادة رأي، بأصدق عبارات التقدير والعرفان لما قدمه الفقيد سي التهامي رحمه الله، من أعمال جليلة على مختلف الأصعدة العلمية والثقافية والبحثية والنضالية، ستظل تشكل إسهاما مميزا في خدمة المجتمع ونصرة لقضايا الوطن في سبيل بناء الدولة الديمقراطية الاجتماعية المتقدمة. كما سيظل المرحوم، علامة لمسار مميز وعلما من الأعلام الكبار للمغرب.

 

 

 

علاقة بسؤالكم، واستنادا للمقتضيات الدستورية الناظمة للحقوق الثقافية والحق في الولوج إليها، بات من الضروري العمل على تغيير النظرة والمقاربات الشكلانية للمسألة الثقافية، وللهوية الدامجة لمختلف مكونات الأمة بتعبيراتها المتنوعة، في إطار مشروع خطة وطنية تتجاوز تلك المقاربات الترقيعية والريعية المتجاوزة، ضمن محاور البرنامج الحكومي لهذا الحزب أو ذاك.

 

 

 

وعلى هذا الأساس، أتصور بأن مقاربة جدلية الديمقراطية والتنمية المجتمعية في تكاملها مع القضايا المتصلة بإرساء قواعد النهضة الثقافية والعلمية للوطن وضمنها ترقية الإنسان والمجال، لابد لها من توفر ثلاثة مداخل منهجية، تتمثل أولا في وجود إرادة سياسية للدولة والفاعلين الأساسيين في المشهد الثقافي تروم إحداث التغيير في البنى والتفكير ورسم السياسات العمومية في القطاع، وثانيا، وجود شركاء ذاتيين ومؤسساتيين قادرين على بلورة مشروع ثقافي وعلمي للنهضة والتنمية المجتمعية، وثالثا، رصد الموارد والإمكانيات المادية والإنشاءات والبنيات الضرورية للتنشئة والتربية والتثقيف والتعليم والتداول العمومي حول القضايا والإشكاليات الحقيقية للتنمية الثقافية وبناء الإنسان، ذاك الكائن المواطن المبدع المتلقي للمعارف والمنتج للقيم، التفاعل بفكره ومهاراته، الواعي بذاته وسياقه السوسيو ثقافي ومع الأخر المختلف.

 

 

 

وبالنسبة لبلدنا اليوم، فإن شروط النهضة والإقلاع الثقافي والعلمي قائمة على هذه المستويات الثلاث، ولو بدرجات متفاوتة، بحيث نجد المرتكزات المرجعية للدستور الجديد تنص على أن “المملكة المغربية دولة ذات      سيادة كاملة بوحدتها الوطنية والترابية، وبصيانة تلاحم وتنوع مقومات هويتها الوطنية، الموحدة بانصهار كل مكوناتها، العربيةالإسلامية، والأمازيغية، والصحراوية الحسانية، والغنية بروافدها الإفريقية والأندلسية والعبرية والمتوسطية.

 

كما أن الهوية المغربية تتميز بتبوء المقومات الثقافية والروحية العريقة والمشتركة بين مختلف مكونات الأمة، وذلك في ظل تشبث الشعب المغربي بقيم الانفتاح والاعتدال والتسامح والحوار، والتفاهم المتبادل بين الثقافات والحضارات الإنسانية جمعاء”.

 

 

 

ومن هذا المنطلق، جاءت مضامين دستور 2011، بما هي خلاصات مسار تحديثي للبنيات والدهنيات، واستشرافات دالة ومحملة بقيم العدالة الاجتماعية والمجالية وتحرير الطاقات والمؤهلات الثقافية والعلمية وتثمين المعارف والمهارات كجزء من التراث الحضاري للمغرب، تلكم المقتضيات الدستورية التي أفرزها الحراك الاجتماعي والسياسي الذي يروم تطوير ودمقرطة الدولة والمجتمع على حد سوا؛ وهي نفس المقتضيات التي تكرس وترعى وتؤكد على أن “حرية الإبداع والنشر والعرض في مجالات الأدب والفن والبحث العلمي والتقني مضمونة”، وأن “حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل إشكالها بموجب أسمى قوانين البلاد”.

  

ومن هذا المنطلق، يتوجب على الدولة “الرؤية” وتحيين المخطط التنموي عبر بوابات المعرفة العلمية والثقافة والفنون كأفق استراتيجي حيوي ومستقبلي للنهضة المجتمعية الشاملة، عبر الاستثمار في الرأسمال اللامادي بكل تجلياته المادية والفكرية والمعرفية والعلمية والتراثية كمدخل أساس لإرساء قواعد الاقتصاد الجديد للمملكة؛ أي الاندراج في أفق اقتصاد المعرفة، وعلى هذا الأساس، ينبغي الخروج من منطق التفسير السطحي للمقتضيات الدستورية المتصلة بالشؤون الثقافية والعلمية والفنية وحرية الإبداع والتعبير والتفكير، وتركيز التفسيرات المختلفة في باب “حث  الحكومة” على النهوض بالثقافة والإعلام الوطنيين وتقوية انخراطهما في جهود التنمية والتحديث.

 

2 – بناء على هذه المقدمة التمهيدية، كيف تنظر مؤسستكم لهذه الإشكالية؟ وهل لكم أن تضعوا القارئ في صورة الرهانات الأساسية التي ينبغي للمغرب بلورتها ضمن نموذجه التنموي الجديد في مجال التنمية الثقافية والعلمية؟

ج- كمدخل للتفاعل مع سؤالكم، أود في البداية أن أنهي إلى كريم علمكم وعموم القراء، بأن المؤسسة ومنذ تأسيسها يوم 23 فبراير 2020و الذي صادف إحياء الذكرى السابعة لوفاة فقيد ومؤسس حزب جبهة القوى الديمقراطية، فقد نظمت سلسلة من اللقاءات العلمية والفكرية مع ثلة من الشخصيات الأكاديمية والثقافية والأدبية، التي استضافتها مؤسسة الدراسات والأبحاث – التهامي الخياري ضمن برنامجها العلمي والثقافي لسنة لموسم 2020 – 2021، حول عديد من القضايا المجتمعية والأسئلة المعرفية البارزة في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخنا الراهن، والموسوم أساسا، بالتحولات المجتمعية والقيمية التي أفرزتها جائحة كورونا والتي أطرها الأستاذ الباحث سعيد بنيس، وكذا استشراف تداعياتها الاقتصادية والجيو سياسية من تأطير الأستاذ الباحث والمناضل السياسي والوزير الأسبق، محمد سعيد السعدي، وقضايا التنمية الثقافية والرأسمال اللامادي في عالم الغذ، باستضافة نخبة من المثقفين العرب المشارقة والمغاربيين.

 

 

 

كما عملت إدارة المؤسسة وتنفيذا لمقررات المكتب التنفيذي، على تسطير برنامج العمل الثقافي والعلمي والتواصلي للمؤسسة برسم سنة 2021، اعتمادا على رزنامة مقترحات للأنشطة الفكرية والثقافية الكبرى للمؤسسة، والتي تتمحور موضوعاتها المختلفة حول رهانات “السوسيولوجيا والمجتمع”.

 

وفي هذا السياق استضافتالمؤسسة د. عبد الله ساعف، الأستاذ الباحث في القانون العام والعلوم السياسية، رئيس مركز الدراسات الأبحاث في العلوم الاجتماعية، الذي ألقى الدرس الافتتاحي لبرنامج الموسم الثاني للمؤسسة، والذي تضمن مدخلا حول العلوم السياسية، مع استحضار أبرز خلاصات المنجز العلمي للراحلين، التهامي الخياري؛ وعبد الكبير الخطيبي، حيث تم بث هذا الدرس العلمي من خلال الوسائط عن بعد، وذلك يوم الخميس 25 فبراير 2021، ابتداء من الساعة السادسة مساء، بتطبيق زووم، عبر الصفحة الرسمية للمؤسسة، واختتامه بالندوة الختامية للموسم الثقافي و العلمي2021 في محور السوسيولوجيا والمجتمع: الأنسنة والنوع الاجتماعي” حول موضوع” الأنوثة والروحانية“ “Féminité et spiritualité”  من تأطير الباحثة والأديبة والمترجمة “ثريا إقبال”، وذلك يوم الأربعاء 15 دجنبر الجاري، بمقر المؤسسة بالرباط، وتعتبر هذه المواضيع على سبيل المثال لا الحصر، قضايا وأسئلة مركزية في نسق الحياة الثقافية الراهنة للنخبة والمجتمع في الراهن، بما تشكله من استشرافات دالة لفهم رهانات المستقبل.

 

 

 

وهكذا فإن الرهانات الحضارية والمجتمعية الكبرى للمغرب اليوم، تستدعي من كل الجهات المعنية بالشأن الثقافي، أصحاب القرار، ومختلف الفاعلين في الحقول الثقافية والعلمية والتقنية والتراثية، الاجتهاد والعمل سويا بنظرة مستقبلية تستحضر مصالح الدولة والأمة في نطاق التحولات الكونية الاقتصادية والعلمية الجارية من حولنا بقوة جارفة؛ وهي تحديات مجتمعية كبرى، تتطلب منا جميعا التحلي بقسط وافر من الغيرة الوطنية المواطنة مع الشعور بواجب السعي الجماعي للإسهام في تقوية عوامل النهضة والتقدم والتطوير والتنوير للمجتمع الذي نعيش فيه وسنتركه بعد حين للأجيال الصاعدة…، ومن هذا المنطلق، ينبغي  للشأن الثقافي بكل مضامينه وأبعاده أن يمثل أولوية يتم إدراجها ضمن مقاربة مندمجة تقوم على جعل السياسة الثقافية والفنية دعامة لتعزيز الهوية الوطنية وتعزيز الانفتاح على الثقافات والحضارات.

 

إن استثمار تنوع مكونات وروافد الثقافة المغربية، وتعددها وغناها، والارتكاز على مبادئ الحرية والمسؤولية والإبداع، والتربية على قيم المواطنة الإيجابية، والتي ستمكن بلدنا من استرجاع وهجه الحضاري وتأثيره الثقافي والعلمي والفني  في محيطه الإقليمي والدولي بالشكل الذي يعبر عن عراقة وعبقرية وإشعاع الحضارة المغربية سليلة الأمجاد والمعالم والأعلام والمعارف والعلوم، ولعل ما قدمته الإسهامات الثقافية المختلفة التي انبثقت من تربة المغرب، والتي عبرت منه ومرت واستقرت به، مثل ما قدمه تلاقح الأمازيغية والعربية في تشكل حضارة الأندلس العظيمة، لخير نموذج للإبداع والتنوع والتطور في إطار وحدة الهوية والمصير.

 

إن تقدم الدول العريقة لا يتأتى فقط، بتطوير الاقتصاد وتوفير البنيات والمعدات والتمويلات، بل إن إحدى أهم مفاتيح النهضة وتطور وارتقاء الأمم، يمر عبر وضع مخططات استراتيجية كبرى للتطوير والتحديث من الأساسات المشكلة والداعمة لتحقيق النهضة المجتمعية عبر العوامل اللامادية في التنمية المتعددة الأبعاد، وذلك بنهج ثقافة قرب حقيقية من خلال تعميم البنيات والخدمات الثقافية والإعلامية، وصيانة التراث الثقافي والطبيعي وحمايته وتثمينه، وتحسين حكامة القطاعات الثقافية والإبداعية، وتحديث التدبير المؤسسي لدائرة الإنتاج والرواج الثقافي والفني، وإرساء الأسس التشريعية والتنظيمية والخبرات المعرفية لبلورة منظومة إنتاجية محفزة على اندراج بلدنا في أفق العهد الرقمي والصناعات الثقافية المنتجة للقيمة وللقيم.

3 – بناء على ما تفضلتم بطرحه من أفكار تلامس حجم وأهمية  التحديات والرهانات التي ينبغي للمغرب كسبها بغية إحداث نقلة نوعية على درب النهضة الثقافية والعلمية والتقدم العلمي والتكنولوجي، وبما يقوي الاقتصاد ويحقق التنمية البشرية والمجالية، فما هي السبل إلى ذلك في تصوركم؟

 

من هذه الزاوية، أعتقد بأنه  لابد من اعتماد مقاربة متدرجة حسب الأولويات، وفي تقديري، ينبغي البدء ببلورة مخطط وطني للنهضة العلمية والثقافية والفنية ثلاثي الأبعاد، ضمن رؤية مندمجة للنهضة الاقتصادية والسياسية والثقافية العلمية، وهو الشيء الذي يستوجب بالضرورة كذلك، مراعاة البعد الجهوي وخصوصيات المجال الترابي للملكة سعيا لتكريس أهم أبعاد العدالة المجالية في المجال الثقافي، مع مواكبة الإبداع والإنتاجات المحلية وتجويدها والعناية بأوضاع المبدعين والمنتجين، ومرافقة الإبداع الشبابي وتطوير سياسة دعم الإنتاج الوطني ونشره وتفعيل التعاون الثقافي الدولي، كل ذلك، وفق قواعد الجودة والتنافسية والمهنية والشفافية والشراكة.

 

تأسيسا على ذلك، فإن إحداث النقلة النوعية يتأتى بالاستثمار في الكفاءات والمواهب والموارد البشرية الناشئة والناضجة، عبر دعم الإبداع الثقافي والفني وتحسين أوضاع العاملين في هذا القطاع، فإن الدولة مطالبة بالحرص على ضمان الحقوق الثقافية وحق الولوج إليها لكل مكونات وتعبيرات القطاع، والأهم من ذلك، أن تسهر السلطات العمومية المختصة على تكريس ثقافة الاعتراف لكل صناع الفكر والقيم والجمال، وتثمين وتحصين المكتسبات، وترقية الحقوق المادية والأدبية، في إطار من الحرية والانفتاح واحترام التعددية والتنوع في إطار الهوية المغربية الموحدة…، وتلكم في اعتقادي المتواضع، المرتكزات والمداخل المنهجية لنهضة ثقافية حقيقية، بما هي شروط لازمة لتطوير المجتمع برمته، وملازمة لأي  إبداع حر  متنور نهضوي واع ومسؤول.

4 –  لقد تحدثتم عن المداخل المنهجية لمقاربة سؤال النهضة الثقافية والعلمية كمرتكز للتنمية المجتمعية الشاملة ولامستم أهم التحديات والرهانات المطروحة على بلادنا في هذا الخصوص، فما هي يا ترى التحديات المطروحة على بلدنا في جانب الدمقرطة والتحديث عبر مؤسسات التنشئة الاجتماعية والمدنية والسياسية؟

 

أود أن أشير إلى أن التجارب الكونية للمجتمعات التي عرفت تحولات ونقلات حضارية بارزة في تاريخها، مرت في الغالب عبر بوابة العناية بالثقافة والمعرفة والفنون والعلوم، والتي أحدثت لذلك البنيات والمنشئات التربوية والتعليمية، ورصدت اذلك إمكانيات مادية وبنيات استقبال تربوية ومدنية وحقوقية وتنشئة سياسية عبر مؤسسات حزبية ونقابية وترافعية قويمة وديمقراطية قائمة على قيم الوطنية والمواطنة والحكامة والنزاهة وربط المسؤولية بالكفاءة واستتباعها بالمحاسبة. 

 

فالأمم التي قامت بثورات ثقافية وعلمية وطورت منظومتها القيمية بما يستجيب لمعايير الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والمجالية، استطاعت نقل مجتمعاتها من التخلف إلى مدارج التقدم والرقي ضمن ركب الأمم العظيمة، من هذا المنطلق، أتصور بأن أي مخطط للتنمية الثقافية يستوجب بالضرورة توفر جملة من المقتضيات الأساسية والمبادئ والمنطلقات تتمثل في:

بلورة رؤية تنموية مسنودة بإرادة سياسية حقيقية، تروم دمقرطة الفعل الثقافي وتعميم الاستفادة من المنتوج الإبداعي في كل تجلياته، تحصين الهوية الوطنية المتنوعة للروافد والمكونات في انفتاحها على العالم، ولتحفيز الإبداع الثقافي والفني في إطار الحرية والمسؤولية والمواطنة المسؤولة، يتطلب ذلك وضع تصور جديد للتعاطي مع الشأن الثقافي العام ببلادنا، يكون مدخله الأساس، الاعتناء باللغات الوطنية الرسمية؛ العربية والأمازيغية، ثقافة وتعبيرات لسنية، بالإضافة للعمل على ترقية مختلف التعبيرات الثقافية المغربية الأخرى.

 

ولمأسسة هذا المشروع وضمان استدامته ونجاعته، لا بد من اعتماد مقاربة تشاركية مع مجموعة من القطاعات الحكومية والجماعات المحلية، وتفعيل دور المجتمع المدني وإشراكه في وضع البرامج وإنجازها وتتبعها وتقويمها، والأهم من ذلك كله تكريس نهج الحكامة الجيدة في تدبير الشأن الثقافي.

 

وكمداخل مستعجلة لتحقيق الأهداف المسطرة للمشروع، لا بد من العمل على تطوير ملائمة مضامين النصوص القانونية المؤطرة للقطاع الثقافي وفقا لمقتضيات الدستور الجديد من جهة، ورفع ميزانية الدولة المخصصة للشؤون الثقافية مع ضرورة العناية والاهتمام بالأوضاع الاجتماعية والمهنية للمثقفين والمبدعين من نساء ورجال الثقافة والفنون.

 

كل ذلك، يتطلب أيضا بلورة استراتيجية تواصلية تجعل الشأن الثقافي في صلب التنمية المجتمعية، توسيع فضاءات القراءة والأنشطة الثقافية وتقريبها من القرى والمناطق النائية، وإشراك الكفاءات بالوزارة في التدبير وربط المسؤولية بالمحاسبة، توسيع إشراك ودعم القطاع الخصوصي للشأن الثقافي، وتعبئة الإمكانيات المادية المطلوبة لتدبير وتوفير وتأهيل الموارد البشرية.

5 –  عطفا على ما سلف، ولكي تقوم مؤسسة الدراسات والأبحاث – التهامي الخياري، في ارتباطها الإنساني والقيمي بجبهة القوى الديمقراطية، بأدوارها المجتمعية وتأدية مهامها العلمية والفكرية والتثقيفية كرسالة نبيلة في خدمة الإنسان والمجتمع، ما هي الوصفة المطلوبة في نظركم من لتحفيز ودعم وتشجيع المؤسسة ومثيلاتها لكي يساهموا في تنشيط الحياة الثقافية والعلمية وفي إنتاج القيم والأفكار والنخب؟ 

 

اعتبارا للمقتضيات المعيارية المتصلة بمنظومة العمل الحزبي، بفعل التشريعات والتعديلات، المجسدة للحرص الملكي على توطيد البناء المؤسساتي الديمقراطي، والدفع بهذه التشريعات لجعل الأحزاب السياسية الوطنية تواكب التحولات التي يعرفها المجتمع المغربي، وقادرة على الفعل الإيجابي فيها، ندعو إلى:

–     تعزيز نجاعة أداء تدبير الأموال العمومية، من خلال الانخراط في المقاربة الشمولية والمندمجة لتدبير المالية العمومية المرتكزة على النتائج، وذلك قصد تعزيز الفعالية وتحسين جودة الأنشطة الممولة من خزينة الدولة، وكذلك تعزيز مسؤولية المدبرين، عبر ترسيخ ثقافة تدبيرية في خدمة التنمية والقيمة المضافة.

–    تخصيص الدعم الإضافي الموجه للأحزاب السياسية، من أجل مواكبة عملها لإنتاج الأفكار والتحاليل والابتكار، بقصد تحقيق الأهداف التالية:

–     تنشيط الحياة الحزبية في مجال التأطير وإبراز الطاقات المنتجة للأفكار والمفاهيم، وللخطاب السياسي المعبر عن تصورات الهيئات الحزبية في شتى المجالات المجتمعية؛

–     استقطاب وتأهيل الموارد البشرية المنتسبة تنظيميا للهيئات الحزبية وطنيا وجهويا بغية إفراز النخب الجديدة وطنيا وجهويا ومحليا؛

–     إنتاج دعامات وحوامل ومنشورات وإصدارات حول مختلف القضايا والأسئلة المعرفية والسوسيوثقافية ذات التأثير في الحياة الحزبية والسياسية؛

–     تمكين الهيئات الحزبية من أدوات التواصل والتفاعل مع المجتمع والمساهمة في تأطير المواطنين فكريا وسياسيا والتعبير عن قضاياهم بشكل علمي يؤسس لثقافة سياسية مبنية على المشاريع والبرامج الحزبية؛

–     عصرنة عمل الهيئات الحزبية كمؤسسات لإنتاج الفكر والمشاريع وتغذية مرافق الدولة بالكفاءات وإرساء دينامية جديدة لدوران النخب؛

–     توفير الظروف المناسبة للكفاءات والأطر الحزبية للإسهام معرفيا وإبداعيا والحضور بكثافة في مختلف التظاهرات والأنشطة والمهام الحزبية بالداخل والخارج، بغية إحياء وتجديد وإشعاع العمل السياسي المؤطر والمؤثر في ديناميات المجتمع.

ويتعين أن يصرف الدعم الموجه لإنتاج الأفكار والنخب، بناء على برامج، لمواكبة أنشطة:

1-   الهيئات المنتجة للمعارف:

  • المؤسسات العلمية والثقافية الحزبية؛

  • مراكز البحث والدراسات الحزبية أو المتعاقدة؛

  • دور نشر متخصصة في إصدار المعارف ذات الصلة.

2-   الفعاليات والكفاءات العلمية والثقافية والفنية المنتسبة للأحزاب السياسية.

ونقترح أن يمنح الدعم على أساس برنامج سنوي يقدمه الحزب يبين فيه مجمل الأنشطة المزمع تنظيمها أو القيام بها خلال السنة في مجالات:

–  التأطير الفكري والعلمي والتواصلي من ندوات وملتقيات ومنتديات وإصدارات ومنشورات، إنجاز المهام المزمع المبرمجة من لدن المؤسسات البحثية الحاضنة للأطر والكفاءات الحزبية سواء في نطاق برامج التأطير السياسي والتواصلي داخل التراب الوطني أو خارجه.

 

ويرجى العمل كذلك على تقديم دعم تحفيزي للباحثين والمختصين الراغبين في تقديم مشاريع لإنجاز دراسات وأبحاث نظرية وميدانية حول مختلف القضايا والإشكاليات المجتمعية المتصلة بتعزيز خبرات الهيئات السياسية وتقوية عرضها السياسي للمجتمع وإثناء الحملات الانتخابية.

ويستحب دعم ملتقيات علمية وثقافية وفنية في إطار التعاون وتبادل التجارب بين الهيئات الحزبية داخليا حول القضايا الراهنة وطنيا أو جهويا، ومع هيئات حزبية من الخارج حول قضية أو مواضيع تهم تطوير العلاقات أو تعزيز التعاون والتقارب بين البلدان المعنية.

 

– يمنح الدعم وفقا لدفتر تحملات تلتزم به الهيئات الحزبية وحسب البرنامج المقدم من طرف الهيئات الحزبية مطلع كل سنة بناء على أهمية الأنشطة والمجالات والمحاور التي يشملها الدعم وفقا للأهداف المسطرة، بحيث يتضمن البرنامج المقدم للدعم بالإضافة إلى المجالات والمحاور والأنشطة المطلوب دعمها، أجندة زمنية مدققة للإنجاز والتأثير والآثار المتوقعة للنشاط على المواطنين أو بالنسبة للصدى داخل فئات المجتمع أو لدى الفئة المستهدفة بالنشاط بناء على تقييم معياري خاص حول:

–  نسبة التتبع أو الاستهداف المحقق فيما يخص الحضور الجماهيري والمواكبة الإعلامية للنشاط وصداها المجالي؛

–  أهمية ووجاهة المنتج، الإصدار، المنشور، الدراسة والبحث المنجز في علاقته بالقضايا المطروحة للمعالجة والأجوبة والحلول المقترحة سواء في مجال تعزيز وإبراز العرض السياسي للحزب أو المساهمة في نشر الوعي المجتمعي والتعريف بالقضايا وتفكيك الإشكاليات وتقديم المقاربات الممكنة حولها بالنسبة للدولة والمجتمع؛

كما نطالب بإحداث جوائز سنوية للمؤسسات الثقافية والعلمية ومراكز البحث ذات الصلة بالأحزاب السياسية تخصص لأنجع وأهم إنجاز في مختلف مجالات المعرفة السياسية، عبر دعم مشاريع مبتكرة للشباب المنتسب للهيئات السياسية (على غرار صندوق الدعم لتقوية قدرات النساء)، والمتعلقة بالأنشطة الثقافية والرياضية والتواصلية، التي تشجع هذه الفئة على العمل والانخراط السياسي.

–  ونقترح أن يمنح الدعم على شطرين: 70 في المائة عند قبول البرنامج، وتكملة 30 في المائة عند بلوغ نسبة الإنجاز 70 في المائة الممنوحة مسبقا، ويتم تجدد منح الدعم بناء على تقارير الانجاز ونسب تحقيق الأهداف المعلنة في دفتر التحملات.