تواجه فرنسا موجة عاصفة من الاحتجاجات والإضرابات المخطط لها على نطاق البلاد، في منتصف سبتمبر/أيلول الحالي، في تحدٍّ كبير لحكومة رئيس الوزراء فرنسوا بايرو، مما يعمق الأزمة السياسية ويضع مستقبله على المحك قبيل تصويت مصيري على الثقة.
وجاءت الدعوة النقابية للإضراب، الجمعة، كرد فعل غاضب على خطط الحكومة لخفض الإنفاق العام، التي تهدف إلى توفير 44 مليار يورو للسيطرة على الدين العام المتضخم والعجز المالي، استجابة لضغوط قواعد الاتحاد الأوروبي.
وصفّت النقابات، التي اجتمعت الجمعة، خطط التقشف بأنها “مرعبة” و”وحشية”، ودعت إلى “يوم كبير من الإضرابات والاحتجاجات” في 18 سبتمبر، في محاولة لإجبار الحكومة على التراجع عن مقترحاتها.
وقالت ماريليز ليون، رئيسة الكونفدرالية الفرنسية الديمقراطية للعمل (CFDT): “يجب التخلي عن العرض المرعب المتمثل في مشروع الميزانية”، معتبرة أن الإجراءات المقترحة “غير مسبوقة في وحشيتها”.
من جانبها، رأت صوفي بينيه، رئيسة الكونفدرالية العامة للعمل (CGT)، أن هذه الاحتجاجات ضرورية لإجبار الحكومة على الاستجابة “للمطالب الاجتماعية”، مشددة على المطالبة بـ”عدالة ضريبية، وتمويل لخدماتنا العامة، وزيادة الأجور، وإلغاء إصلاح نظام التقاعد”.
ولا تقتصر حركة الغضب على النقابات التقليدية، فقد دعت حملة شعبية مناهضة للحكومة تحت اسم “لنغلق كل شيء” – وهي مدعومة من اليسار – إلى إضراب منفصل على مستوى البلاد في 10 سبتمبر، وهو ما أعلنت “سي جي تي” دعمها له.
تأتي هذه التطورات في أعقاب مغامرة سياسية مفاجئة من رئيس الوزراء البالغ 74 عاماً، باقتراح إجراء تصويت على الثقة في 8 سبتمبر، بعد أشهر من الجمود السياسي بشأن خطط خفض الدين.
وبعد سنوات من الإنفاق المفرط، تواجه فرنسا ضغوطاً مالية كبيرة، لكن الحل الذي تقدم به بايرو – والذي يشمل إلغاء عطلتين رسميتين وتجميد الزيادات في الإنفاق – أثار غضب شرائح واسعة من المجتمع، ووضع حكومته على حافة الهاوية.
فإذا خسر بايرو التصويت على الثقة، فسيتعين عليه الاستقالة مع حكومته بأكملها، ليفتح الباب أمام الرئيس إيمانويل ماكرون إما لإعادة تعيينه أو اختيار خلف له سيكون سابع رئيس وزراء منذ تولي ماكرون منصبه عام 2017.
في مواجهة هذا الجمود السياسي الذي تعيشه فرنسا منذ أكثر من عام، يبدو أن الخيارات كلها صعبة. من جهة، أعلن زعيم الحزب الاشتراكي أوليفييه فور، أن اليسار “مستعد لتشكيل حكومة”، قائلاً إنه سيثبت “إمكانية إخراج البلاد من المديونية دون المساس بالطبقتين العاملة والمتوسطة”.
ومن جهة أخرى، يملك الرئيس ماكرون خياراً نوووياً آخر يتمثل في الدعوة إلى انتخابات مبكرة لكسر هذا الجمود، وهو خيار محفوف بالمخاطر قد يغير الخريطة السياسية للبلاد.
لكن ماكرون، الذي وعد الجمعة بأنه “سيكمل فترة ولايته الرئاسية حتى نهايتها” على الرغم من الاضطرابات، يبدو مصمماً على تجنب هذا السيناريو في الوقت الراهن.
تبقى الأسابيع القليلة المقبلة حاسمة لمستقبل فرنسا السياسي والاقتصادي، حيث ستختبر streets باريس ومدن فرنسا الأخرى قوة الغضب الشعبي، بينما تختبر قبة البرلمان مصير الحكومة وقيادتها، في مشهد متشابك يعكس التحديات العميقة التي تواجه واحدة من أكبر اقتصادات أوروبا.