جريدة

الإعلام بين المهنية وإثارة الجدل: قراءة في واقع الخطاب الإعلامي

مراسل ميديا أونكيت 24 القرفي المصطفى

في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها المشهد الإعلامي، يبرز سؤال جوهري حول طبيعة الرسالة التي يقدّمها بعض الإعلاميين، ومدى التزامهم بأخلاقيات المهنة ومعاييرها الأساسية. فبدل أن يكون الإعلام فضاءً للتحليل الرصين وتنوير الرأي العام، أصبح لدى البعض ساحةً لتصفية الحسابات، ومجالًا لإثارة الجدل على حساب الموضوعية.

إن من أبرز مظاهر الخلل الإعلامي التركيز على الشكل بدل مناقشة المضمون. فالحقيقة لا تُختزل في زاوية ضيقة، ولا تُرى من منظور أحادي يخدم توجهًا معينًا. الإعلام الحقيقي يقوم على عرض الوقائع كما هي، وتحليلها بعمق، وتقديم مختلف الآراء بميزان عادل، لا على الصراخ وإثارة الغرائز أو اللعب على الانفعالات.

كما أن الانتقائية المتعمدة في عرض المعلومات تمثل أحد أخطر الانزلاقات المهنية. إذ يعمد بعض الإعلاميين إلى اختيار ما يدعم أطروحاتهم فقط، وإقصاء ما يخالفها، مما يؤدي إلى تشويه وعي الجمهور بدل تنويره. والأسوأ من ذلك، تقديم الرأي الشخصي في صورة الحقيقة المطلقة التي لا تقبل النقاش، وهو ما يتنافى مع جوهر العمل الإعلامي القائم على التعددية واحترام عقول المتلقين.

ويزداد الأمر خطورة حين يتحول تناول قضايا تتعلق برئيس حكومة أو مسؤول برلماني إلى مادة دائمة لإثارة الجدل، ليس بدافع النقد البنّاء أو الرقابة المشروعة، بل خدمةً لأجندات معينة أو سعيًا وراء نسب مشاهدة أعلى. هنا يفقد الإعلام رسالته، ويتحول من سلطة رقابية مسؤولة إلى أداة للتأثير الموجّه.

إن الإعلام مسؤولية قبل أن يكون منصة. فالمهنية والمصداقية ليستا خيارًا تجميليًا، بل هما أساس الثقة بين الوسيلة الإعلامية وجمهورها. ومن يفرّط في هذه المسؤولية، لا يمكن اعتباره صوتًا للحقيقة، بل مجرد صدى لمصالح ضيقة.

ختامًا، يبقى الرهان على وعي إعلامي ناضج، يدرك أن قوة الكلمة في صدقها، وأن تأثير الرسالة في موضوعيتها، وأن احترام عقل المتلقي هو الطريق الوحيد لبناء إعلام ينوّر ولا يضلّل.