جريدة

دراسة علمية: الاحترار العالمي يرفع الوفيات ويضاعف الكلفة الاقتصادية

كشفت دراسة علمية حديثة أن كلفة الاحترار العالمي لا تقتصر على موجات الحر والظواهر المناخية المتطرفة، بل تمتد إلى الاقتصاد والصحة العامة، مع تسجيل ارتفاع ملموس في معدلات الوفيات كلما ارتفعت درجات حرارة الكوكب.

وخلصت الدراسة، التي أنجزها ثلاثة باحثين من جامعتي ستانفورد ونورث وسترن بالولايات المتحدة، إلى أن ارتفاع متوسط حرارة الأرض بدرجة مئوية واحدة يرتبط بزيادة في الوفيات السنوية تصل إلى نحو 2.5 وفاة لكل ألف شخص، وهو معدل يفوق بكثير الوفيات التي يمكن إرجاعها مباشرة إلى التعرض المحلي للحرارة.

وبحسب الدراسة، فإن الزيادة في الوفيات لا تتجاوز 0.1 وفاة لكل ألف شخص عندما يقتصر القياس على التأثير المباشر للتعرض المحلي للحرارة، فيما يعزى نحو ثلثي الفارق إلى الخسائر الاقتصادية التي تنتج عن ارتفاع درجات الحرارة.

وأعد الدراسة كل من أدريان بيلال وكريستوف ليسيكي من جامعة ستانفورد، ودييغو كينزيغ من جامعة نورث وسترن، ونُشرت في أواخر شتنبر 2026 تحت عنوان «درجة الحرارة العالمية والوفيات العالمية».

منهجية تعتمد على صدمات حرارية طبيعية

اعتمد الباحثون في تحليلهم على تقلبات طبيعية في درجات حرارة الأرض مرتبطة بظواهر مناخية وطبيعية، من بينها ظاهرة النينيو والنشاط الشمسي والانفجارات البركانية.

ويفترض الباحثون أن هذه العوامل مستقلة نسبياً عن الأوضاع الاقتصادية والصحية، ما يسمح بعزل تأثير الصدمات الحرارية عن العوامل الأخرى التي قد تؤثر في معدلات الوفيات.

وشملت قاعدة البيانات التي اعتمدت عليها الدراسة أكثر من 100 دولة، تمثل نحو 70 في المائة من سكان العالم، خلال الفترة الممتدة بين عامي 1960 و2019.

وقاس الباحثون آثار الصدمات الحرارية على مدى 20 عاماً باستخدام تقنية «الإسقاطات المحلية»، فيما أظهرت اختبارات مختلفة، من بينها استبعاد الهند والصين وتغيير فترات العينة وتصحيح تأثير الانبعاثات، استمرار النتائج الأساسية للدراسة.

وبحسب النتائج، يبلغ أثر الصدمة الحرارية ذروته بعد نحو 12 عاماً، مع تسجيل زيادة تصل إلى وفاة واحدة لكل ألف شخص، بينما يتضاعف التأثير خمس مرات لدى الأشخاص الذين تتجاوز أعمارهم 65 عاماً.

واعتمد الباحثون في جمع بيانات الوفيات على قاعدة بيانات الوفيات البشرية ومنظمة الصحة العالمية، إلى جانب بيانات وطنية خاصة بالهند والصين، مع الاستفادة من قواعد بيانات تغطي مناطق واسعة من العالم.

الخسائر الاقتصادية.. العامل الأكثر تأثيراً

وتعتبر الدراسة أن التأثير الاقتصادي للاحترار يمثل عاملاً حاسماً في تفسير ارتفاع الوفيات.

فارتفاع دائم في درجات الحرارة بمقدار درجة مئوية واحدة يمكن أن يؤدي، وفق تقديرات الدراسة، إلى خفض الناتج العالمي للفرد بنحو 22 في المائة على المدى الطويل.

وبالاستناد إلى أبحاث سابقة حول العلاقة بين الدخل ومعدلات الوفيات، قدر الباحثون أن الخسائر الاقتصادية تفسر نحو 66 في المائة من الأثر الإجمالي لارتفاع درجات الحرارة على الوفيات.

في المقابل، تفسر الظواهر المناخية المتطرفة المباشرة، مثل الجفاف والرياح والحرارة والبرد، نحو 23 في المائة من هذا الأثر.

وأظهرت الدراسة أن أمراض القلب والأوعية الدموية تأتي في مقدمة أسباب الوفيات الإضافية المرتبطة بالاحترار، تليها الوفيات المرتبطة بمرض «الإيدز»، بينما تبدو الوفيات الناتجة مباشرة عن التعرض للحر أو البرد أقل حجماً مقارنة بالتأثيرات غير المباشرة.

كما تشير النتائج إلى أن الدول الفقيرة والأقل إنفاقاً على الصحة العامة تواجه مخاطر أكبر، حيث تتجاوز الزيادة في الوفيات ذروتها في إفريقيا لتصل إلى أكثر من وفاتين لكل ألف شخص.

سيناريوهات مقلقة مع استمرار الاحترار

وفي حال ارتفعت درجة حرارة الكوكب بدرجتين إضافيتين بحلول عام 2100، تتوقع الدراسة ارتفاع معدل الوفيات بنحو 6 وفيات لكل ألف شخص.

كما قدرت الدراسة التكلفة الاجتماعية للكربون بنحو 1640 دولاراً للطن الواحد، منها حوالي 400 دولار مرتبطة بالوفيات، أي ما يقارب ربع التكلفة الإجمالية.

ويفوق هذا التقدير بكثير التقديرات التي تركز فقط على التأثير المباشر لارتفاع الحرارة المحلية، والتي لا تتجاوز نحو 40 دولاراً وفق الدراسة.

خفض الانبعاثات وحماية الاقتصاد

وترى الدراسة أن خفض الانبعاثات يمكن أن يكون ذا جدوى خاصة بالنسبة للدول ذات الكثافة السكانية المرتفعة أو الاقتصادات ذات الدخل المرتفع، حتى عند احتساب تأثير الوفيات وحده.

كما يشدد الباحثون على أهمية حماية النشاط الاقتصادي من تداعيات الاحترار، معتبرين أن الحفاظ على النشاط الاقتصادي يمكن أن يحقق «عائداً مزدوجاً»، من خلال الحد من الخسائر المالية وتقليص الزيادة في الوفيات المرتبطة بتدهور الظروف الاقتصادية.

وفي المقابل، يقر الباحثون بوجود حدود لمنهجية الدراسة، خصوصاً أن تعميم النتائج على سيناريو احترار دائم يفترض وجود علاقة خطية يمكن أن تستمر خارج نطاق الصدمات الحرارية التي تم رصدها تاريخياً.

وبالتالي، يحذر الباحثون من أن التأثير الفعلي للاحترار المستقبلي على الوفيات قد يكون أقل أو أكبر من التقديرات التي توصلت إليها الدراسة، ما يؤكد الحاجة إلى مزيد من الأبحاث لفهم التداعيات الصحية والاقتصادية طويلة الأمد لتغير المناخ.