قراءة في تحديات الصحة بإقليم الجديدة
قال مدرب كرة القدم المغربي امحمد فاخر يوماً إن تغيير سائق حافلة معطوبة لن يحلّ المشكلة. استعارة بليغة تختزل واقعاً أعمق حين يتعلق الأمر بتدبير الشأن العام، خصوصاً في قطاع حيوي كالصحة. غير أن الحقيقة الأخرى التي لا تقل وجاهة هي أنه لا يجوز لسائق محترف أن يقود حافلة معطوبة. وبين المقاربتين تتجلى إشكالية المنظومة الصحية بإقليم الجديدة، باعتبارها جزءاً من أزمة وطنية أوسع، مع اختلافات تفرضها خصوصية المجال وسرعة التنزيل.
يظل التمويل حجر الزاوية في معادلة الإصلاح الصحي. فالإنفاق العمومي على الصحة لا يتجاوز حوالي 6.3% من الناتج المحلي الإجمالي، أي ما يعادل قرابة 1,500 درهم للفرد سنوياً، وهي أرقام تبقى دون المتوسط العالمي، وتكشف عن فجوة واضحة بين الطموحات المعلنة والإمكانات المتاحة. وحتى في حال توفير اعتمادات لصيانة المستشفى وتجهيزه بالموارد البشرية من أطر طبية وشبه طبية وتقنية وإدارية، فإن سؤال استدامة التمويل سيبقى مطروحاً بإلحاح.
وتتضاعف التحديات بإقليم يغلب عليه الطابع القروي، حيث تصعب الولوجية إلى الخدمات الصحية، وتغيب التغطية الصحية والضمان الاجتماعي عن فئات واسعة من الساكنة. كما أن تفشي البطالة في المجال الحضري يزيد من هشاشة الأسر وحرمانها من الحماية الاجتماعية، علماً أن الاستفادة من خدمات المستشفى، مهما بلغت جودتها، ليست مجانية بالكامل.
أمام هذا الواقع، يبرز خيار البحث عن مصادر تمويل بديلة كمدخل عملي لتعزيز قدرات المستشفى الإقليمي. ويمكن للإقليم أن يستثمر نسيجه الصناعي عبر إبرام شراكات واتفاقيات مع الشركات النشيطة بالمناطق الصناعية، لا تقتصر على خدمات الجراحة والتطبيب والاستعجالات، بل تمتد إلى فحوصات طب الشغل من بصر وسمع وتنفس وأشعة، وهي خدمات تحتاجها المقاولات بشكل دوري. من شأن هذه الشراكات أن تدرّ مداخيل إضافية، تمكّن المؤسسة الاستشفائية من الاستثمار في الجودة، وتوسيع نطاق الخدمات، وضمان تكوين مستمر للأطر، وتحفيزهم وفق مردوديتهم.
غير أن تفعيل هذا التوجه يقتضي تغييراً في الذهنية وأساليب التدبير. فالمسؤولون مدعوون إلى الخروج من منطق الانتظار وتلقي الشكايات أو الاكتفاء بالثناء، نحو مقاربة استباقية تقوم على عرض خدمات المستشفى كمنتوج عمومي ذي قيمة مضافة، والدعوة إلى مساهمة مختلف الفاعلين في النهوض بالقطاع. هنا يتجلى الدور المحوري للسلطة الإقليمية والمنتخبين في التنسيق بين المستثمرين وإدارة المستشفى، بهدف استهلاك الخدمات محلياً، وخلق فرص الشغل، وضمان تسجيل العمال في الضمان الاجتماعي بما يضمن لهم تغطية صحية كريمة وولوجاً سلساً للعلاج.
ويمتد الإصلاح المنشود إلى أبعاد استراتيجية، من قبيل الدعوة إلى إحداث كلية للطب بالإقليم، بما يتيح تكوين أطر طبية تستفيد منها المؤسسة الاستشفائية الجامعية مستقبلاً. كما أن تعزيز الصحة الوقائية يظل رهاناً أساسياً، يبدأ بجمع النفايات وحماية البيئة وإصلاح الطرق، للحد من الأمراض وحوادث السير التي تستنزف ميزانية الصحة.
إن إصلاح المنظومة الصحية بإقليم الجديدة لا يختزل في تغيير المسؤولين أو تحميلهم كامل المسؤولية، كما لا يمكن أن يتحقق دون قيادة كفؤة. لكنه قبل كل شيء يمر عبر “إصلاح الحافلة” نفسها: تأمين تمويل مستدام، تطوير الشراكات، تحسين الحكامة، وترسيخ مقاربة تشاركية تجعل من الصحة أولوية تنموية مشتركة. حينها فقط يصبح اختيار “السائق” خطوة مكملة لمسار إصلاحي حقيقي، لا مجرد محاولة لتدوير الأزمة.