ليست قضية تقديم أو تأخير الساعة مجرد خلاف إداري حول توقيت العمل، بل تمسّ البنية العميقة لحياتنا اليومية. فهي تؤثر على النوم والإنتاجية واستهلاك الطاقة، وتتشابك مع نمط حياتنا الرقمي. أي قرار بتثبيت أو تعديل التوقيت يجب أن يُقرأ ضمن ثلاث دوائر مترابطة: البيولوجيا، الاقتصاد، والمجتمع الرقمي. خارج هذا الترابط، يصبح النقاش ناقصاً ومضللاً.
جسم الإنسان يتبع “الساعة البيولوجية” (Circadian Rhythm)، منظومة عصبية-هرمونية تتفاعل أساساً مع الضوء الطبيعي. التعرض لضوء الصباح يُعيد ضبط إفراز هرمون الميلاتونين ويُنشّط الكورتيزول المسؤول عن اليقظة. عند تقديم الساعة، يُفرض على الجسم التكيف قسراً، ما يخلق ما يعرف بـ”الاختلال الزمني الاجتماعي” (Social Jetlag).
الدراسات الطبية، بما فيها أبحاث منشورة في British Medical Journal، ربطت هذا الاختلال بارتفاع مخاطر الحوادث، وتفاقم اضطرابات النوم، وتذبذب المؤشرات القلبية، خصوصاً لدى المراهقين الذين تميل ساعاتهم البيولوجية إلى النوم المتأخر. النتيجة: تركيز أقل، قلق أكبر، وفجوة في التحصيل الدراسي والعمل.
غالباً ما يُبرَّر تعديل الساعة بحجة توفير الطاقة. لكن الواقع أكثر تعقيداً: وفورات الإضاءة المسائية قد تُعوَّض بارتفاع استهلاك التكييف، أو تمدد النشاط الليلي، أو زيادة النقل المسائي. الحساب الاقتصادي لا يمكن أن يقتصر على فاتورة الكهرباء؛ يجب أن يشمل كلفة انخفاض الإنتاجية، الحوادث، والرعاية الصحية المرتبطة باضطرابات النوم.
السلوك الاستهلاكي تغيّر أيضاً. اليوم، الأضواء والشاشات تعمل حتى ساعات متأخرة، ما يخلق تصادماً بين الساعة الرسمية و”الساعة الرقمية” التي لا تنام. النتيجة: نوم أقل، استهلاك طاقي أطول، وإرهاق عام، مما يجعل فكرة “الوفرة الطاقية” رهينة ببيانات دقيقة وواقعية.
في عالم الاتصال الدائم، يتأثر نومنا بالضوء الأزرق للشاشات، ما يؤخر إفراز الميلاتونين ويؤثر على جودة النوم. تقديم ساعة العمل في هذا السياق يعمّق المعادلة الضاغطة: نوم أقل + استيقاظ أبكر = إرهاق مزمن، مع تداعيات علمية على المزاج، المناعة، والأداء المعرفي.
العودة إلى التوقيت الطبيعي للشمس تمنح الناس شعوراً فورياً بالانسجام مع الضوء، وهو استجابة فسيولوجية حقيقية. إذا كانت السياسات العمومية تُبنى على الأدلة، فإن سياسة الزمن يجب أن تستند إلى معطيات صحية واقتصادية دقيقة:
حجم الوفر الطاقي الصافي بعد احتساب تغيّر أنماط الاستهلاك.
أثر التوقيت على النوم الفعلي للفئات المختلفة.
كلفة الحوادث والإرهاق والإنتاجية المفقودة.
الزمن ليس مجرد رقم على الحائط؛ إنه بنية تنسّق بين الشمس والجسد والاقتصاد. وعندما ينام المجتمع أقل ليُضيء أكثر، لا يكون قد ربح ساعة، بل خسر إيقاعه، وهذا هو الحساب الحقيقي للتنمية المستدامة.