قراءة تفكيكية لمقال حول زيارة لجنة جهوية إلى المستشفى الإقليمي محمد الخامس بالجديدة بين الخبر والرأي
-متابعة-ميديا اونكيت24 القرفي المصطفى
أثار مقال منشور بإحدى المنابر المحلية حول زيارة لجنة جهوية تابعة لـ وزارة الصحة والحماية الاجتماعية إلى المستشفى الإقليمي محمد الخامس بالجديدة نقاشا واسعا في الأوساط المحلية، غير أن طريقة المعالجة الإعلامية التي اعتمدها المقال تطرح جملة من الملاحظات المهنية والمنهجية التي تستدعي التوضيح.
في البداية، تم تقديم الزيارة باعتبارها “مفاجئة” ووصفت بعبارة توحي بطابع استثنائي. والحال أن طبيعة عمل لجان التفتيش الإدارية تقتضي في كثير من الأحيان عنصر المفاجأة لضمان موضوعية المعاينة ودقة التقييم. هذا الإجراء معمول به في مختلف القطاعات العمومية، ولا يمكن اعتباره في حد ذاته مؤشرا على وجود اختلالات جسيمة أو خروقات مؤكدة. إضفاء طابع الإثارة على هذا المعطى الإداري قد يوجه المتلقي نحو استنتاجات سابقة لأوانها.
كما أن الحديث عن “حجم الاختلالات” جاء في سياق لم يصدر فيه بعد أي تقرير رسمي أو بلاغ يحدد طبيعة الملاحظات المسجلة، إن وجدت. من منظور مهني، يفترض انتظار خلاصات اللجنة قبل الجزم بوجود تجاوزات أو إخلالات. استباق نتائج التحقيق واستعمال صيغة تفيد التحقق المسبق يخل بمبدأ الحياد، ويحول الخبر إلى حكم ضمني.
وفي ما يتعلق بالإشارة إلى “شبهات صفقات” صُرفت عليها “مبالغ مهمة”، فإن غياب أرقام دقيقة أو وثائق أو إحالات على تقارير افتحاص يجعل الطرح في حدود العموميات غير المسندة. الصفقات العمومية تخضع لإطار قانوني وتنظيمي مضبوط، يشمل مساطر الإعلان والمنافسة والمراقبة القبلية والبعدية. وأي ادعاء بوجود شبهة يستوجب الاستناد إلى معطيات موثقة وتقارير رسمية، لا إلى تعبيرات فضفاضة قد توحي بأكثر مما تثبت.
أما ربط تعطل جهاز السكانير بسوء التدبير المالي، فهو استنتاج يحتاج إلى إثبات علاقة سببية واضحة. الأعطاب التقنية للتجهيزات الطبية تظل أمرا واردا في المؤسسات الصحية، وتعالج وفق مساطر الصيانة والإصلاح المعتمدة، التي قد ترتبط بآجال إدارية أو تقنية محددة. تحويل عطب تقني إلى قرينة على وجود اختلال مالي يظل طرحا يحتاج إلى سند موضوعي.
كما أن توظيف شهادات مؤثرة لمواطنين عبروا عن معاناتهم يمثل جانبا إنسانيا مشروعا، غير أن المعالجة الصحفية الرصينة تميز بين المعاناة الفردية كحالة اجتماعية، وبين إثبات المسؤولية القانونية أو المالية. مشاكل القطاع الصحي قد تكون بنيوية أو مرتبطة بإكراهات وطنية عامة، ولا يمكن اختزالها في اتهام مباشر دون تحقيق مؤسساتي مكتمل.
إن مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، الذي يشكل أحد مرتكزات الدستور، يظل مبدأ مؤسسا لدولة القانون، غير أن تفعيله يتم عبر مؤسسات الرقابة المختصة والقضاء، بناء على تقارير دقيقة ومعطيات مثبتة. إصدار أحكام مسبقة أو الإيحاء بثبوت تجاوزات قبل انتهاء مسطرة التفتيش يتعارض مع قرينة البراءة ومع أبسط قواعد الإنصاف.
في المحصلة، فإن زيارة لجنة تفتيش لمؤسسة عمومية لا تعني الإدانة، كما أن فتح تحقيق لا يساوي ثبوت المخالفات. الفيصل في مثل هذه القضايا هو ما ستسفر عنه التقارير الرسمية للجهات المختصة. الدفاع عن الحق في الصحة يظل مطلبا مشروعا ومشتركا، غير أن حمايته تقتضي كذلك احترام ضوابط المهنية الصحفية، وتجنب الخلط بين الخبر والتحليل، وبين المعطى المؤكد والانطباع.