المغرب يعوّل على التمويل المبتكر لتسريع مشاريع السكك الحديدية في إفريقيا
انطلقت، اليوم الأربعاء بالرباط، أشغال المنتدى الدولي الثاني حول «حلول الاستثمار والتمويل من أجل مستقبل السكك الحديدية في إفريقيا»، المنظم يومي 14 و15 أكتوبر الجاري، تحت رعاية الملك محمد السادس، بمشاركة مسؤولين وممثلين عن المؤسسات المالية وبنوك التنمية والمستثمرين والهيئات السككية.
ويهدف هذا اللقاء إلى بلورة حلول تمويلية عملية ومستدامة من شأنها تسريع تطوير البنية التحتية السككية بالقارة الإفريقية، وتحويل التوجهات الاستراتيجية إلى مشاريع قابلة للتمويل والتنفيذ، في ظل التحديات المرتبطة بارتفاع التكاليف والحاجة إلى شبكات نقل حديثة وفعالة.
من تشخيص التحديات إلى تنفيذ المشاريع
أكد محمد ربيع الخليع، المدير العام للمكتب الوطني للسكك الحديدية، خلال الجلسة الافتتاحية، أن المنتدى يشكل امتداداً لإعلان دكار لسنة 2023، مشدداً على ضرورة الانتقال من مرحلة تشخيص الإكراهات إلى التنفيذ الميداني، عبر بناء شراكات مستدامة تخدم مستقبل النقل السككي في إفريقيا.
وأوضح الخليع أن قطاع النقل يشهد تحولات عميقة تفرض مراجعة نماذج التنقل، بما يستجيب لمتطلبات الاستدامة والتغيرات الديمغرافية والعمرانية التي تعرفها القارة، في انسجام مع أهداف أجندة الاتحاد الإفريقي 2063.
وأشار إلى أن النمو السكاني المتسارع، وارتفاع نسبة الشباب، والتوسع الحضري، كلها عوامل تستدعي تحديث أنظمة النقل وتعزيز الاستثمار في البنية التحتية. كما حذر من التداعيات الاقتصادية لضعف هذه البنية، موضحاً أن القصور المسجل في هذا المجال يكلف الاقتصادات الإفريقية نحو 2 في المائة من نموها السنوي، ويؤثر في الإنتاجية بنسب قد تصل إلى 40 في المائة.
وفي استعراضه للتجربة المغربية، أبرز المدير العام للمكتب الوطني للسكك الحديدية أهمية إطلاق قطار «البراق»، باعتباره أول قطار فائق السرعة في إفريقيا، مشيراً إلى أن الشبكة السككية الوطنية تنقل حالياً أكثر من 55 مليون مسافر سنوياً.
وكشف الخليع عن برنامج استثماري تتجاوز قيمته 10 مليارات أورو في أفق سنة 2030، يتضمن تمديد الخط فائق السرعة نحو مراكش، بهدف الوصول إلى شبكة سريعة بطول 630 كيلومتراً، إلى جانب اقتناء 660 عربة وقطاراً جديداً، وتطوير شبكات النقل الحضري السريع في المدن الكبرى.
وشدد المسؤول على أن التمويل العمومي التقليدي لم يعد كافياً لمواكبة الكلفة المتزايدة للمشاريع السككية، داعياً إلى اعتماد آليات تمويل مبتكرة ومستدامة تراعي الإمكانات المالية والخصوصيات الاقتصادية لكل دولة إفريقية.
السكك الحديدية رافعة للتنمية الترابية والتنافسية
من جانبه، أكد وزير النقل واللوجيستيك، في كلمة تلاها نيابة عنه زين العابدين ابريطل، الكاتب العام للوزارة، أن السكك الحديدية تمثل خياراً استراتيجياً بالنسبة للمغرب، بالنظر إلى دورها في تقليص الفوارق المجالية وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني.
وأعلن المسؤول الحكومي عن مواصلة تنفيذ برنامج استثماري بقيمة 134 مليار درهم إلى غاية سنة 2030، يشمل تمديد الخط فائق السرعة، وربط ميناء الناظور غرب المتوسط بالشبكة السككية، وتطوير خدمات القطارات الجهوية، فضلاً عن اقتناء 168 قطاراً جديداً. ويندرج هذا البرنامج ضمن الاستعدادات المغربية لاحتضان نهائيات كأس العالم 2030.
ودعا الوزير إلى إرساء إطار تعاقدي واضح بين الدولة والمكتب الوطني للسكك الحديدية، يحدد الالتزامات وآليات التمويل وكيفية تدبير المخاطر، بما يعزز ثقة المؤسسات المالية والمستثمرين في المشاريع المبرمجة.
وعلى المستوى الإفريقي، شدد على أهمية التنسيق بين الحكومات والمؤسسات المالية والقطاع الخاص، مع توجيه الاستثمارات نحو المشاريع ذات الأثر التنموي الأكبر، خصوصاً تلك التي تربط الموانئ والمنصات اللوجيستيكية بالشبكات السككية، وتساهم في تحسين نقل البضائع وتيسير المبادلات التجارية بين الدول.
كما دعا بنوك التنمية إلى ابتكار صيغ تمويل مرنة تتلاءم مع الطبيعة طويلة الأمد للاستثمارات السككية، مطالباً القطاع الخاص بالمساهمة في ضمان جودة الخدمات والحفاظ على التوازن المالي للمشاريع.
ونبه إلى أن تقييم المشاريع بناءً على كلفة إنجازها الأولية فقط لا يكفي لضمان نجاحها، إذ يتطلب استمرارية المرافق السككية توفير موارد مالية مستدامة للتشغيل والصيانة.
وفي السياق ذاته، أبرز أهمية التمويل الأخضر في دعم المشاريع السككية، بالنظر إلى المزايا البيئية للقطارات، خاصة في ما يتعلق بكهربة الخطوط وتحسين النجاعة الطاقية. وأكد استعداد المغرب لتقاسم خبراته مع الدول الإفريقية في مجالات الهندسة والصيانة والاستغلال، مع التشديد على ضرورة تطوير صناعة سككية محلية قادرة على خلق فرص الشغل وتأهيل الكفاءات.
أسواق الكربون.. آلية واعدة لتمويل المشاريع السككية
من جهته، سلط فرانسوا دافين، المدير العام للاتحاد الدولي للسكك الحديدية، الضوء على التحديات البيئية والتمويلية التي تواجه القطاع، معتبراً أن إفريقيا ينبغي أن تحظى بأولوية في جهود التعاون الدولي الرامية إلى تطوير النقل المستدام.
وأوضح دافين أن النقل السككي يشكل إحدى الوسائل الفعالة لمواجهة التغير المناخي، غير أن المنافع البيئية التي يوفرها لا تحظى، بحسبه، بالتقييم الكافي ضمن آليات التمويل المعتمدة حالياً.
واعتبر أن أسواق الكربون يمكن أن تتيح فرصاً مهمة لتمويل مشاريع السكك الحديدية، من خلال تحويل الانبعاثات التي يتم تفاديها إلى موارد مالية تدعم استثمارات طويلة الأمد، لا سيما أن هذا النوع من المشاريع يحتاج إلى أفق زمني قد يمتد إلى ثلاثين سنة لتحقيق مردوديته.
واستند المسؤول إلى دراسة للاتحاد الدولي للسكك الحديدية تشير إلى إمكانية تفادي انبعاثات تقدر بنحو 1.8 جيغا طن من الكربون في الدول النامية بحلول سنة 2050، مع إمكانية تحقيق إيرادات تتراوح بين 27 و72 مليار دولار.
غير أنه أشار إلى وجود تفاوت كبير بين الأسعار المرجعية للكربون والأسعار المتداولة في الأسواق، موضحاً أن الطن الواحد يقدر بنحو 100 أورو في بعض الدراسات، في حين يقل سعره في السوق عن 20 أورو.
كما أعلن إطلاق «تحالف مور»، بشراكة مع فاعلين دوليين، بهدف تحديث منهجيات احتساب أرصدة الكربون والعمل على الاعتراف بها رسمياً في إطار المادة السادسة من اتفاقية باريس للمناخ.
ودعا دافين صناع القرار والمؤسسات المالية إلى تعزيز التنسيق من أجل تحويل المنافع البيئية للنقل السككي إلى فرص تمويل ملموسة تساعد على تسريع إنجاز المشاريع بالقارة.
تحويل الأولويات السياسية إلى مشاريع قابلة للتمويل
بدورها، أكدت أسماء بورداية، المنسقة الإقليمية لوكالة الاتحاد الإفريقي للتنمية، أن الاستثمار في السكك الحديدية لا يقتصر على تطوير البنية التحتية، بل يمتد أثره إلى خلق فرص الشغل، وتوسيع الأسواق أمام المنتجات الزراعية، وتعزيز اندماج الدول الإفريقية، خاصة البلدان غير الساحلية، في سلاسل التجارة العالمية.
وأشادت بالمبادرة الأطلسية للمغرب، معتبرة أنها تكتسي أهمية استراتيجية في السياق الجيوسياسي والاقتصادي للمنطقة، كما نوهت بالتقدم الذي أحرزته المملكة في تنفيذ أجندة الاتحاد الإفريقي 2063، وبامتلاكها أول خط للقطار فائق السرعة في القارة.
كما أبرزت تجربة المغرب في إصدار السندات الخضراء سنة 2022، التي استقطبت مستثمرين محليين ودوليين لتمويل أصول طويلة الأمد، معربة عن اهتمام الوكالة بنقل هذه التجربة إلى بلدان إفريقية أخرى في إطار التعاون جنوب-جنوب.
واعتبرت بورداية أن التحدي الأساسي يتمثل في تحويل الأولويات السياسية إلى مشاريع تستجيب لشروط التمويل المصرفي، داعية إلى تعزيز الجرأة الاستثمارية وتوحيد المعايير التقنية العابرة للحدود.
كما طرحت تساؤلات بشأن الجهات التي ستتحمل تكاليف الصيانة ومخاطر البناء وتقلبات الطلب، مؤكدة أن نجاح المشاريع السككية يستدعي توزيعاً واضحاً للمسؤوليات وضمانات مالية مناسبة.
واستعرضت المسؤولة عدداً من البرامج التي تعتمدها وكالة الاتحاد الإفريقي للتنمية لدعم البنية التحتية بالقارة، من بينها برامج تطوير المشاريع ومنصة الضمان المشتركة المدعومة من مؤسسات مصرفية إفريقية ودولية.
واختتمت بورداية بالتأكيد على ضرورة أن يفضي المنتدى الدولي الثاني إلى مشاريع ملموسة مدعومة بتمويلات وشراكات واضحة، معتبرة أن تطوير السكك الحديدية في إفريقيا يتطلب تنسيقاً متكاملاً بين الحكومات والبنوك والمهندسين والفاعلين الاقتصاديين والمجتمعات المحلية.
ويعكس النقاش الذي احتضنته الرباط توجهاً نحو البحث عن نماذج تمويل جديدة قادرة على تجاوز محدودية الموارد العمومية، وتعزيز التعاون الإفريقي والدولي، بما يجعل السكك الحديدية رافعة للتنمية الاقتصادية والتكامل الإقليمي والاستدامة البيئية.