جريدة

الصحافة المغربية بين الإثارة والرقابة المهنية.. قضايا كبرى تنتظر التغطية والتقصي

أعاد افتتاح الدورة التشريعية الثانية عشرة للبرلمان المغربي، يوم الجمعة 9 أكتوبر 2026، النقاش حول أدوار الإعلام في مواكبة المحطات السياسية والمؤسساتية الكبرى، ومدى التزام بعض المنابر الصحافية بأولويات العمل المهني، في ظل بروز تغطيات ركزت على المظاهر الخارجية لبعض البرلمانيات الشابات، بدل الاهتمام بمساراتهن السياسية ومؤهلاتهن العلمية وبرامجهن ومواقفهن.

وشكلت هذه المحطة، التي حضرها الملك محمد السادس وألقى خلالها خطاباً ملكياً، مناسبة لاستحضار أبرز الرسائل السياسية والمؤسساتية المرتبطة بالمرحلة المقبلة، واستشراف توجهات العمل التشريعي والرقابي، فضلاً عن التعرف على الوجوه الجديدة التي التحقت بالمؤسسة التشريعية، وما ينتظرها من مسؤوليات في مجالات التشريع ومراقبة العمل الحكومي وتقييم السياسات العمومية.

غير أن جانباً من التغطية الإعلامية اتجه إلى إبراز جمال بعض البرلمانيات وأناقة ملابسهن، في مقابل محدودية الاهتمام بأسئلة تتعلق بتكوينهن الأكاديمي، وتجاربهن السياسية، ومسارات وصولهن إلى البرلمان، سواء عبر العمل الحزبي أو التنافس الانتخابي أو غيرهما من الآليات الديمقراطية.

المظهر الخارجي لا ينبغي أن يحجب الكفاءة السياسية

لا يتعلق الإشكال بالمظهر الشخصي للبرلمانيات، الذي يظل شأناً خاصاً، بقدر ما يرتبط بالمعايير التي تعتمدها بعض المنابر الإعلامية في اختيار موضوعاتها وتقديم الشخصيات العامة إلى الرأي العام.

فاختزال حضور المرأة في مظهرها الخارجي قد يحجب جوانب أكثر أهمية، تتصل بمواقفها السياسية ومبادراتها وقدرتها على الإسهام في العمل التشريعي والرقابي. كما أن النقاش حول كفاءة الوجوه البرلمانية الجديدة ينبغي ألا يقتصر على النساء، بل يجب أن يشمل البرلمانيين الشباب من الجنسين، بما يتيح للمواطنين التعرف على مؤهلاتهم وخلفياتهم الفكرية والسياسية، وتقييم قدرتهم على الاضطلاع بمسؤولياتهم التمثيلية.

ومن هذا المنطلق، فإن التغطية المهنية للمؤسسة التشريعية تقتضي الانتقال من التركيز على الصور والانطباعات إلى تقديم معلومات ذات قيمة، تساعد الجمهور على فهم طبيعة النخب السياسية الجديدة، وبرامجها، ومواقفها من القضايا الوطنية والاجتماعية والاقتصادية.

من الملاحظة العابرة إلى التأويلات غير المؤكدة

لم يقتصر الجدل على طريقة تقديم الوجوه البرلمانية الجديدة، بل امتد إلى بعض تفاصيل الجلسة الافتتاحية، ومن بينها طريقة جلوس عزيز أخنوش، رئيس الحكومة المنتهية ولايتها، أمام الملك محمد السادس، وهي لقطة أثارت تعليقات وتأويلات على عدد من المواقع الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي.

ويطرح هذا النوع من التغطيات تساؤلات بشأن مدى احترام بعض المعالجات الإعلامية لقواعد التحقق والتثبت، خصوصاً عندما تُبنى استنتاجات واسعة على مشاهد عابرة، من دون توفر معطيات موثوقة تسمح بتحديد خلفياتها أو الجزم بدلالاتها.

فالعمل الصحافي المسؤول يقتضي التمييز بين الملاحظة المباشرة والتأويل الشخصي، والابتعاد عن تقديم الاستنتاجات غير المؤكدة باعتبارها حقائق ثابتة. كما يستوجب وضع الوقائع في سياقها الصحيح، والرجوع إلى المصادر الموثوقة، وتجنب الانسياق وراء قراءات قد تساهم في تضليل الجمهور أو توجيه فهمه للأحداث من دون سند كافٍ.

ولا يعني ذلك إقصاء التحليل أو منع طرح الأسئلة، بل إن المطلوب هو أن يستند التحليل إلى معطيات واضحة، وأن تظل الفرضيات والتأويلات متميزة عن الوقائع المثبتة.

ملفات اقتصادية ورقابية تستحق مزيداً من البحث والتقصي

في مقابل الانشغال بالمظاهر والتفاصيل البروتوكولية، تبرز ملفات سياسية واقتصادية ورقابية كان من الممكن أن تحظى بحيز أوسع من البحث والتقصي، بالنظر إلى ارتباطها بتدبير الشأن العام، وحماية المال العام، وتعزيز الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.

ومن بين هذه الملفات قضية صفقة تحلية مياه البحر بالدار البيضاء، وما أثير بشأنها من نقاش حول تضارب المصالح وشروط إبرام الصفقات العمومية ومدى احترام قواعد المنافسة. وهي موضوعات تتطلب معالجة صحافية تستند إلى الوثائق والمعطيات الرسمية، وتتيح حق الرد لمختلف الأطراف المعنية، مع تحديد المسؤوليات بناءً على الأدلة المتاحة، بعيداً عن الأحكام المسبقة أو الاتهامات غير المثبتة.

وتبرز، كذلك، قضية أرباح شركات المحروقات وهوامش الربح ومستوى المنافسة داخل السوق، باعتبارها مجالاً مهماً أمام الصحافة الاستقصائية، خصوصاً في ضوء التقارير والقرارات الصادرة عن مجلس المنافسة، وما تتضمنه من معطيات يمكن أن تساعد على فهم تطورات القطاع وانعكاساتها على المستهلكين والاقتصاد الوطني.

كما تستحق التغييرات التي طالت مسؤولين على رأس مؤسسات دستورية ورقابية، من بينها المجلس الأعلى للحسابات والمندوبية السامية للتخطيط والمؤسسات المعنية بمحاربة الرشوة، متابعة إعلامية جادة تطرح أسئلة حول سياقات هذه التغييرات وآثارها المحتملة على أداء أجهزة الرقابة والحكامة.

ولا يتعلق الأمر بإطلاق أحكام مسبقة بشأن هذه الملفات، بل بضرورة فتح نقاش مهني يستند إلى المعلومات المتاحة، ويبحث في طبيعة القرارات المتخذة وانعكاساتها على أداء المؤسسات ومدى قدرتها على الاضطلاع بالمهام الموكولة إليها.

280 مليار درهم.. أرقام تحتاج إلى التوضيح والتدقيق

ومن القضايا التي تستدعي بدورها متابعة صحافية دقيقة، مسألة الدعم العمومي الذي جرى تداول رقم يناهز 280 مليار درهم بشأنه في النقاش السياسي.

ويظل هذا الرقم بحاجة إلى توضيح من حيث طبيعة المبالغ التي يشملها، والفترة الزمنية المعنية، والبرامج التي صُرفت في إطارها، والجهات المستفيدة منها، فضلاً عن النتائج المحققة ومدى انعكاسها على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.

وقبل استخلاص أي أحكام بشأن حجم الدعم العمومي أو فعاليته، يتعين التحقق من مصادر الرقم، وتحديد مكوناته بدقة، والتمييز بين الاعتمادات المالية المرصودة والمبالغ المصروفة فعلياً، وبين الدعم المباشر وغير المباشر، متى كان ذلك وارداً في المعطيات الأصلية.

فالمال العام يرتبط بحق المواطنين في الوصول إلى المعلومات المتعلقة بكيفية تدبير الموارد العمومية، ونتائج السياسات المعتمدة، ومدى انعكاسها على الاقتصاد الوطني والخدمات الاجتماعية وفرص الشغل.

ومن هنا، تبرز أهمية الصحافة في تفكيك الأرقام وتحليلها، وتقديمها للجمهور في سياق مفهوم، بالاستناد إلى مصادرها الأصلية والوثائق الرسمية، مع التمييز بين المعطيات المؤكدة والتصريحات السياسية والتقديرات المتداولة.

إن التعامل المهني مع الأرقام لا يقل أهمية عن كشف المعطيات الجديدة، إذ إن نشر رقم كبير من دون شرح مكوناته أو تحديد سياقه الزمني والمالي قد يثير الانطباعات، لكنه لا يوفر بالضرورة فهماً دقيقاً للموضوع.

من السلطة الرابعة إلى مطاردة المشاهدات

يعيد هذا النقاش طرح سؤال جوهري حول وظيفة الصحافة في المجتمع، وحدود التوازن بين جذب الجمهور والالتزام بالمسؤولية المهنية. فالسبق الصحافي لا يُقاس بعدد المشاهدات والتفاعلات وحده، بل أيضاً بدقة المعلومات، وأهمية الموضوع، وجودة المعالجة، وقدرتها على تقديم قيمة مضافة للقارئ.

وتتمثل إحدى الوظائف الأساسية للإعلام في تمكين المواطنين من فهم القضايا العامة ومساءلة المؤسسات والمسؤولين، من خلال نقل المعلومات الموثوقة، وفتح النقاش حول السياسات العمومية، وتتبع الملفات التي تمس الحياة اليومية للمواطنين.

وتكتسب هذه الوظيفة أهمية خاصة خلال المحطات البرلمانية، التي تشكل مناسبة لمساءلة المنتخبين بشأن التزاماتهم وبرامجهم، ومتابعة مساهماتهم في التشريع والرقابة، وتقييم مدى استجابتهم لانتظارات المواطنين.

لذلك، لا ينبغي أن تتوقف التغطية الإعلامية للمؤسسة التشريعية عند الصور والمظاهر والتفاصيل العابرة، بل يفترض أن تمتد إلى تحليل أداء النواب ومواقفهم ومبادراتهم، وتتبع مشاركتهم في النقاشات التشريعية والرقابية، واستجلاء تصوراتهم بشأن القضايا الوطنية المطروحة.

كما أن المنافسة بين المنابر الإعلامية، في ظل التحولات الرقمية وتسارع تداول الأخبار، لا ينبغي أن تتحول إلى سباق نحو الإثارة على حساب الدقة والمصداقية. فسرعة النشر لا تعفي الصحافي من التحقق، وجاذبية العنوان لا تبرر تضخيم الوقائع أو اجتزاءها من سياقها.

الرهان على صحافة مسؤولة تعزز الثقة وتراقب مراكز القرار

إن التحدي المطروح أمام الصحافة المغربية يتمثل في الحفاظ على التوازن بين جاذبية المحتوى وجودته، وبين متطلبات السرعة وواجب التحقق، بما يضمن تقديم مادة إعلامية تحترم ذكاء الجمهور وتستجيب لحقه في المعرفة.

ويقتضي ذلك تعزيز حضور الصحافة الاستقصائية، وتوسيع مساحة التحليل المبني على الوثائق، وإعطاء الأولوية للقضايا التي تهم تدبير الشأن العام والمال العام والشفافية والحكامة، مع الالتزام بأخلاقيات المهنة واحترام قرينة البراءة وحق الرد.

فالصحافة ليست مجرد وسيلة لنقل الصور أو متابعة المشاهدات، بل هي فضاء لإنتاج المعرفة، ومساءلة مراكز القرار، ومراقبة السياسات العمومية، ومساعدة المواطنين على تكوين مواقفهم انطلاقاً من معلومات دقيقة ومتوازنة.

وفي نهاية المطاف، يظل الرهان الأساسي هو أن تستعيد الصحافة دورها الرقابي بوصفها إحدى ركائز الحياة الديمقراطية، وأن تجعل من المصداقية والتحقق والعمق التحريري معايير أساسية في عملها، حتى لا تتحول الإثارة إلى غاية في حد ذاتها، على حساب القضايا الحقيقية التي تستحق اهتمام الرأي العام.