جريدة

منظمات سودانية ترفع ملف الانتهاكات إلى لجنة إفريقية بداكار وتطالب بتحقيق دولي مستقل

تواصل منظمات حقوقية سودانية تحركاتها على المستوى الإفريقي للمطالبة بحماية المدنيين ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات المرتكبة خلال الحرب المستمرة في السودان منذ أبريل 2023، وذلك خلال اجتماعات الدورة العادية التاسعة والثمانين للجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب، المنعقدة بالعاصمة السنغالية داكار.

وخلال هذه الاجتماعات، دعت منظمات سودانية إلى اتخاذ موقف إفريقي حازم إزاء الحرب والسلطات القائمة في بورتسودان، كما طالبت بإجراء تحقيق دولي مستقل في الاتهامات المتعلقة باستخدام الجيش السوداني أسلحة كيميائية، وهي اتهامات تستوجب، بحسب المنظمات، التحقق الفني المستقل وتحديد المسؤوليات بناءً على الأدلة.

وتصدر مركز الخاتم عدلان للاستنارة والتنمية البشرية جانباً من هذا التحرك، من خلال بيان شفهي قدمه أمام اللجنة الإفريقية، عرض فيه ما وصفه بتدهور أوضاع المدنيين وتراجع ضمانات سيادة القانون منذ اندلاع المواجهات المسلحة في 15 أبريل 2023.

ودعا المركز إلى رفض إضفاء الشرعية على السلطات التي أفرزتها الحرب، ومواصلة تعليق مشاركة السودان في أنشطة الاتحاد الإفريقي إلى حين استعادة الحكم الدستوري المدني، معتبراً أن استمرار النزاع يمثل انتهاكاً واسع النطاق للحقوق المنصوص عليها في الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب، إلى جانب المواثيق الإقليمية والدولية ذات الصلة.

تدهور الأوضاع الإنسانية وتفاقم الانتهاكات

سلط البيان الضوء على التداعيات الإنسانية الواسعة للحرب، مشيراً إلى أن المواجهات العسكرية والقصف الجوي وهجمات الطائرات المسيّرة واستخدام المدفعية الثقيلة داخل المناطق المأهولة بالسكان تسببت في سقوط ضحايا مدنيين ونزوح ملايين الأشخاص.

كما أشار المركز إلى اتساع رقعة انعدام الأمن الغذائي، موضحاً أن أكثر من 20 مليون شخص يواجهون الجوع، فيما حُرم نحو 19 مليون طفل من التعليم، بالتزامن مع تضرر وتدمير عدد كبير من المرافق الصحية.

ولم تقتصر الانتهاكات التي تناولها البيان على العمليات العسكرية، بل شملت، وفق ما أوردته المنظمة، الإعدامات خارج نطاق القضاء والاعتقالات التعسفية والتعذيب والاختفاء القسري والعنف الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي، فضلاً عن عمليات قتل بدوافع إثنية وهجمات استهدفت المدنيين.

وأكد المركز أن حجم الانتهاكات المبلغ عنها يستدعي تحركاً دولياً أكثر فاعلية، بما يضمن حماية السكان ومحاسبة المسؤولين، بعيداً عن الاعتبارات السياسية والعسكرية المرتبطة بأطراف النزاع.

اتهامات باستخدام أسلحة كيميائية ومطالب بالتحقيق

خصص مركز الخاتم عدلان حيزاً مهماً من مداخلته للاتهامات المتعلقة باستخدام الجيش السوداني أسلحة كيميائية، محذراً من خطورة هذه المزاعم على حياة المدنيين وصحتهم، ومن تداعياتها المحتملة على الالتزامات الدولية للسودان بموجب اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية.

وطالب المركز السلطات القائمة في بورتسودان بالتعاون الكامل والشفاف مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، وتمكين فرقها الفنية من دخول الأراضي السودانية دون عوائق، لإجراء تحقيق مستقل وشامل ونزيه في هذه الاتهامات.

كما دعا إلى الكشف عن أي منشآت يُشتبه في ارتباطها بإنتاج الأسلحة الكيميائية، والإفصاح عن مواقع الذخائر ذات الصلة، والسماح للجهات الدولية المختصة بالتحقق منها والإشراف على تدميرها، وفقاً للالتزامات القانونية المعمول بها.

وشددت المنظمة على ضرورة إخضاع هذه الاتهامات لتحقيق فني موثوق، ومساءلة كل من تثبت مسؤوليته عن تطوير الأسلحة المحظورة أو إنتاجها أو تخزينها أو إصدار أوامر باستخدامها.

ويضع هذا الملف السلطات السودانية أمام مطالب متزايدة بتقديم تعاون يسمح بالتحقق المستقل من الوقائع، في وقت تظل فيه الاتهامات المتعلقة باستخدام الأسلحة الكيميائية بحاجة إلى نتائج تحقيق موثوقة لتحديد مدى صحتها والمسؤوليات القانونية المترتبة عليها.

تحذيرات من تصاعد نفوذ الجماعات المتشددة

وفي جانب آخر من البيان، حذر مركز الخاتم عدلان من تصاعد نفوذ الميليشيات المتشددة ومشاركة عناصرها في العمليات العسكرية، مشيراً إلى اتهامات بإعادة تمكين شبكات الحركة الإسلامية داخل مؤسسات الدولة والجيش والأجهزة الأمنية.

وتطرق المركز إلى أوضاع المجتمعات المدنية في دارفور وأجزاء من كردفان، حيث تحدث عن تعرض السكان لهجمات وعمليات تهجير وحرمان من الخدمات والمساعدات الإنسانية، في ظل اتهامات جماعية لبعض المجتمعات بالانتماء إلى أحد طرفي الحرب أو دعمه.

كما نبه إلى المخاطر التي تواجه مجموعات مدنية رفضت التعبئة العسكرية، بما في ذلك ما وصفه بالعقاب الجماعي والتجويع وعرقلة وصول المساعدات الإنسانية.

وأدان البيان كذلك ما قال إنه استهداف للمدافعين عن حقوق الإنسان والمحامين بسبب توثيقهم الانتهاكات ومطالبتهم بمحاسبة المسؤولين، محذراً من أن التضييق على الحقوقيين والشهود قد يعرقل جمع الأدلة ويحد من فرص تحقيق العدالة.

مطالب بوقف إطلاق النار ورفض شرعنة سلطات الحرب

ودعا مركز الخاتم عدلان اللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب إلى اعتماد قرار يدعو إلى وقف فوري لإطلاق النار، وإنشاء آلية دولية مستقلة لمراقبته، إلى جانب فتح ممرات آمنة أمام المدنيين وضمان وصول الغذاء والدواء والمساعدات الإنسانية دون عراقيل.

كما طالب بوقف التدخلات الخارجية التي تسهم في إطالة أمد النزاع، بما في ذلك إمدادات الأسلحة وتمويل العمليات العسكرية وتوفير الدعم السياسي والدبلوماسي للأطراف المتحاربة.

وفي ما يتعلق بالمساءلة القضائية، دعا المركز إلى تعزيز التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية وتسليم المطلوبين المتهمين بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وجرائم إبادة جماعية في دارفور، وفقاً للإجراءات والالتزامات القانونية ذات الصلة.

وأكد البيان رفض الاعتراف بأي سلطة مفروضة بقوة السلاح، سواء تعلق الأمر بسلطة بورتسودان أو بأي سلطة موازية، مطالباً الاتحاد الإفريقي بمواصلة تعليق مشاركة السودان في أنشطته إلى حين استعادة الحكم الدستوري المدني.

وتعكس هذه المطالب، بحسب موقف المنظمة، إصرارها على ربط أي تسوية سياسية مستقبلية بوقف الحرب وحماية المدنيين واحترام المسار الدستوري، مع التأكيد على ضرورة عدم الإفلات من العقاب.

تقرير حقوقي يوثق هجمات في ولاية الجزيرة

وبالتوازي مع التحرك أمام اللجنة الإفريقية في داكار، أعلنت منظمة دعم ضحايا دارفور، بالتعاون مع مؤتمر الكنابي، العضو في التحالف الإفريقي «ائتلاف السودان»، إصدار تقرير بعنوان «العنف القائم على الهوية واللون في السودان».

وتناول التقرير الانتهاكات التي شهدتها منطقة كمبو طيبة بولاية الجزيرة خلال الفترة الممتدة من 9 إلى 11 يناير 2025، مسلطاً الضوء على ما وصفه بهجمات ذات طابع إثني وعرقي.

وبحسب التقرير، فإن الجيش السوداني وقوات «درع السودان» المتحالفة معه، إلى جانب مجموعات مسلحة أخرى، بينها عناصر من كتائب البراء بن مالك المرتبطة بالحركة الإسلامية، شاركوا في الهجمات المذكورة.

ووثق التقرير، استناداً إلى شهادات ومعلومات جمعها معدّوه، ثلاث هجمات تضمنت عمليات قتل وإعدامات ميدانية وحرق منازل ونهب ممتلكات وتهجيراً قسرياً للسكان.

وطالبت الجهات المشرفة على التقرير بإجراء تحقيق دولي مستقل في الوقائع الواردة فيه، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات التي تثبتها الأدلة، إلى جانب توفير الحماية للمدنيين والناجين وضمان حقوق الضحايا.

وتظل الوقائع والاتهامات الواردة في التقارير الحقوقية بحاجة إلى تحقيقات مستقلة تتيح التحقق منها وتحديد المسؤوليات الفردية والمؤسسية على أساس الأدلة.

تدويل ملفات الانتهاكات ومطالب بكشف الحقيقة

وتبرز مشاركة المنظمات السودانية في اجتماعات داكار اتجاهاً نحو نقل ملفات الانتهاكات من نطاق التنديد المحلي إلى المؤسسات الحقوقية الإفريقية والدولية، من خلال تقديم شهادات وتقارير ومطالب قانونية تتعلق بحماية المدنيين والتحقيق والمساءلة.

ومن الاتهامات المتعلقة باستخدام الأسلحة الكيميائية إلى التقارير بشأن العنف القائم على الهوية واللون في ولاية الجزيرة، تسعى هذه المنظمات إلى دفع الجهات المختصة نحو إجراء تحقيقات مستقلة تضمن كشف الحقيقة وتحديد المسؤوليات.

وتتمحور رسالتها حول ضرورة وقف الحرب، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، وحماية المدافعين عن حقوق الإنسان والشهود، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته عن ارتكاب انتهاكات جسيمة.

كما تؤكد هذه المطالب أن أي مسار نحو السلام والاستقرار في السودان يظل مرتبطاً بوقف القتال، واستعادة الحكم المدني الديمقراطي، وبناء مؤسسات قادرة على حماية الحقوق والحريات، بعيداً عن هيمنة أطراف النزاع والمجموعات المسلحة.