جريدة

البرلمان المغربي.. هل تحولت السياسة إلى «إرث عائلي» يزاحم استحقاق الكفاءات؟

يعود النقاش حول طبيعة النخب السياسية بالمغرب إلى الواجهة، مع تنامي الاهتمام بحضور أفراد من العائلات نفسها داخل البرلمان والمؤسسات المنتخبة، وما يثيره ذلك من أسئلة بشأن تجديد النخب، وتكافؤ الفرص، وآليات اختيار المرشحين داخل الأحزاب السياسية.

وتتداول بعض المعطيات، التي تظل في حاجة إلى توثيق رسمي ودقيق، حديثاً عن وجود عدد من النواب والنائبات الذين تربط بينهم صلات قرابة عائلية داخل مجلس النواب، من أصل 395 عضواً. وإذا كانت هذه الحالات، في حد ذاتها، لا تشكل مخالفة قانونية ما دام المعنيون يستوفون شروط الترشح والانتخاب، فإن تكرارها يفتح الباب أمام نقاش أوسع حول طبيعة المسارات التي تقود إلى المؤسسات المنتخبة.

بين الحق القانوني وتكافؤ الفرص

من الناحية القانونية والدستورية، لا يمنع انتماء أفراد الأسرة نفسها إلى الحياة السياسية أو ترشحهم للانتخابات، متى توفرت فيهم الشروط التي يحددها القانون. كما أن الانتماء إلى عائلة لها تاريخ في العمل السياسي لا يمكن، في حد ذاته، اعتباره دليلاً على عدم الكفاءة أو على وجود مخالفة.

غير أن النقاش يأخذ بعداً آخر عندما يتعلق الأمر بمدى قدرة الأحزاب على توفير شروط متكافئة أمام مختلف المرشحين، سواء كانوا من عائلات لها حضور سياسي سابق أو من الوجوه الجديدة التي تحاول دخول المجال العام.

وهنا يبرز سؤال جوهري: إلى أي حد تنجح الأحزاب السياسية في تجديد نخبها وفتح المجال أمام الكفاءات الجديدة والشباب، بما يضمن تعدد المسارات والخبرات داخل المؤسسات المنتخبة؟

هل أصبح الاسم العائلي عاملاً مؤثراً؟

لا يمكن الجزم بأن الانتماء العائلي هو العامل الحاسم في الوصول إلى البرلمان، إذ تختلف نتائج الانتخابات من دائرة إلى أخرى، وتتداخل فيها عوامل متعددة، من بينها العمل الحزبي، والحضور الميداني، والقدرة على التواصل مع الناخبين، والبرامج الانتخابية، إضافة إلى طبيعة التحالفات والتنظيمات المحلية.

ومع ذلك، فإن استمرار حضور أسماء عائلية معروفة في المشهد السياسي يطرح تساؤلاً مشروعاً حول مدى تأثير الرصيد العائلي والشبكات الاجتماعية والسياسية المتراكمة في تشكيل فرص الترشح والفوز.

فهل يتعلق الأمر باستمرار طبيعي لعائلات راكمت خبرة في العمل العام، وانتقلت هذه التجربة بين الأجيال؟ أم أن بعض الحالات تستحق نقاشاً أوسع حول قدرة المنظومة الحزبية على إتاحة فرص متساوية أمام مختلف الكفاءات؟

القضية ليست في «اسم العائلة»

إن إثارة هذا الموضوع لا ينبغي أن تتحول إلى محاكمة للأشخاص على أساس أصولهم العائلية، ولا إلى التشكيك تلقائياً في كفاءة أي منتخب تربطه صلة قرابة بفاعل سياسي آخر.

فالكفاءة لا تُقاس بالاسم العائلي، كما أن الانتماء إلى عائلة لها حضور سياسي لا يعني بالضرورة غياب الاستحقاق الشخصي. وفي المقابل، فإن الحديث عن تجديد النخب يظل مشروعاً عندما يتعلق الأمر بمدى انفتاح المؤسسات الحزبية على الطاقات الجديدة، وقدرتها على خلق منافسة داخلية قائمة على معايير واضحة.

ومن هذه الزاوية، تبدو المسألة مرتبطة أساساً بآليات اختيار المرشحين، ودرجة الديمقراطية الداخلية للأحزاب، ومدى شفافية عمليات الترشيح، وفرص الشباب والنساء والكفاءات المستقلة في الوصول إلى مواقع القرار.

الديمقراطية الداخلية للأحزاب في الواجهة

يشكل التنظيم الداخلي للأحزاب أحد المفاتيح الأساسية لفهم طبيعة تجدد النخب السياسية. فكلما كانت آليات الاختيار والترشيح أكثر انفتاحاً ووضوحاً، ازدادت فرص ظهور وجوه جديدة قادرة على تقديم تجارب وأفكار مختلفة.

كما أن النقاش حول تضارب المصالح والأخلاقيات البرلمانية يكتسي أهمية خاصة، باعتباره مرتبطاً بضرورة الحفاظ على استقلالية العمل النيابي وتجرد المنتخبين في أداء مهامهم، وفق القواعد القانونية والتنظيمية المعمول بها.

وبالتالي، فإن النقاش لا ينبغي أن ينحصر في عدد النواب الذين تجمعهم صلات قرابة، بل يتعين أن يمتد إلى الأسئلة الأعمق المرتبطة بكيفية صناعة النخب السياسية، ومعايير اختيار المرشحين، ومدى تكافؤ الفرص داخل الأحزاب وبين مختلف الفاعلين الراغبين في المشاركة السياسية.

الشباب والكفاءات الجديدة.. أي موقع داخل الأحزاب؟

يظل تجديد النخب أحد التحديات التي تواجه الحياة الحزبية، خصوصاً في ظل تطلعات شريحة واسعة من الشباب إلى المشاركة في تدبير الشأن العام.

ففتح المجال أمام الكفاءات الجديدة لا يعني إقصاء أصحاب التجارب السابقة، وإنما يفترض إيجاد توازن بين الخبرة والتجديد، بما يسمح بتراكم التجارب وفي الوقت نفسه يمنح الأجيال الجديدة فرصة للمشاركة وتحمل المسؤولية.

ومن هنا، فإن السؤال المطروح على الأحزاب لا يتعلق فقط بمن يفوز بالمقاعد الانتخابية، وإنما أيضاً بكيفية إعداد المرشحين، وتكوين الأطر، واكتشاف الطاقات الجديدة، وضمان منافسة داخلية تتيح للناخب في النهاية الاختيار بين برامج وكفاءات ومسارات متنوعة.

من «الإرث السياسي» إلى التنافس على أساس البرامج

قد تكون بعض العائلات قد راكمت عبر عقود خبرات وشبكات وعلاقات مرتبطة بالعمل السياسي، وهو أمر يمكن تفسيره بطبيعة المسار التاريخي للمجال الحزبي والانتخابي. لكن استمرار هذه الأسماء لا ينبغي أن يكون بديلاً عن تقييم الأداء الفردي للمنتخبين.

فالناخب، في نهاية المطاف، هو من يمنح الشرعية الانتخابية، بينما تقع على عاتق الأحزاب مسؤولية تقديم مرشحين تتوفر فيهم شروط الكفاءة والنزاهة والقدرة على تمثيل المواطنين.

ومن ثم، فإن جوهر النقاش لا يكمن في السؤال عن «ابن من يكون المرشح؟»، بقدر ما يكمن في السؤال عن تجربته، وبرنامجه، وأدائه، وقدرته على ممارسة مهامه التمثيلية والاستجابة لانتظارات المواطنين.

سؤال مفتوح أمام الأحزاب والناخبين

بين حضور عائلات راكمت تجربة سياسية عبر أجيال، وصعود وجوه جديدة تبحث عن موقع لها داخل المؤسسات المنتخبة، يبقى النقاش مفتوحاً حول مستقبل تجديد النخب السياسية في المغرب.

فهل تعكس صلات القرابة داخل البرلمان استمراراً طبيعياً لتجارب سياسية عائلية انتقلت بين الأجيال؟ أم أن تكرار هذه الحالات يستدعي مزيداً من النقاش حول آليات الترشيح والولوج إلى الحياة السياسية؟

السؤال، في النهاية، لا يتعلق بإدانة ظاهرة أو تبرئتها، وإنما بمدى قدرة الأحزاب والمؤسسات السياسية على ضمان منافسة تقوم على وضوح المعايير، وتكافؤ الفرص، وتجديد النخب، وربط التمثيلية السياسية بالكفاءة والأداء والمسؤولية.

وفي ظل التحولات التي يعرفها المجتمع المغربي، يظل تطوير الحياة الحزبية رهيناً بقدرة مختلف الفاعلين على تحقيق التوازن بين الخبرة والتجديد، والاستمرارية والانفتاح، والحضور التاريخي للعائلات السياسية وحق الكفاءات الجديدة في الوصول إلى مواقع القرار.

ويبقى الحكم النهائي على أي منتخب مرتبطاً بما يقدمه من أداء داخل المؤسسة المنتخبة، وبمدى قدرته على تمثيل المواطنين والدفاع عن قضاياهم، وليس بالاسم العائلي الذي يحمله.