الصحافة المغربية بين أزمة الاستدامة ورهان إنقاذ المهنة من التبخيس
بقلم الأستاذ محمد عيدني فاس
تعيش الصحافة المغربية منعطفاً حاسماً تتشابك فيه التحديات الاقتصادية والمهنية والمؤسساتية. حيث لم تعد الأزمة مقتصرة على تراجع المبيعات أو شح الموارد الإشهارية، بل تحولت لقضية هيكلية تمس صميم الممارسة الديمقراطية ومستقبل الإعلام الوطني. فالصحافة ليست نشاطا تجاريا محضا، بل هي دعامة أساسية للرقابة المجتمعية والنقاش العام، ما يجعل اختلال بنيتها تهديدا مباشرا لقدرتها على أداء وظائفها الحيوية.
تسليع المهنة: حين تتهاوى قيمة التغطية الإعلامية
تواجه المقاولات الصحفية، خصوصا المستقلة منها، ضغوطا غير مسبوقة تتمثل في ارتفاع تكاليف الإنتاج والطباعة والتوزيع، بالتوازي مع التغول المستمر للمنصات الرقمية العالمية. وضع تجد فيه هاته المؤسسات نفسها أمام معادلة بقاء معقدة: الحفاظ على جودة الإصدار واستمراريته من جهة، وتأمين أجور العاملين وتغطية المصاريف التشغيلية من جهة أخرى.
لعل المظهر الأكثر قتامة لهاته الأزمة المركبة، هو الانحدار غير المسبوق في القيمة الاعتبارية للمهنة، حيث تحولت “التغطية الإعلامية” في بعض الأوساط والممارسات الدخيلة إلى مجرد خدمة تشترى بأبخس الأثمان، لتصل إلى حد تسعيرها بمبالغ مهينة ومخجلة لا تتجاوز 50 درهما و200 درهم. هذا التبخيس الخطير لا يعكس فقط حجم الاختناق المالي والهشاشة التي تضرب القطاع، بل يفرز ظواهر تسيء لنبل الرسالة الإعلامية، ويحول الصحافة من سلطة رقابية مستقلة إلى مجرد بوق ترويجي رخيص تفقد معه المهنة بوصلتها الأخلاقية، ما يضرب مصداقية الخبر في الصميم.
رأس المال البشري: كرامة الصحفي كشرط لجودة الإعلام
لا يمكن تصور إعلام قوي ومستقل دون استقرار مهني واجتماعي لصناعه. حيث يمثل الصحفي الحلقة المركزية في مسار إنتاج المعلومة، إلا أنه يجد نفسه في غالب الأحيان في مواجهة واقع يتسم بالهشاشة، وتأخر الأجور، ومحدودية الحماية الاجتماعية. وهي نفس العوامل التي تعبد الطريق أمام ظواهر الاسترزاق وتبخيس العمل الصحفي المذكورة أعلاه.
إن الارتقاء بالسلطة الرابعة يبدأ حتما من الاستثمار في الإنسان، من خلال نهج “الصحفي أولا”. بما يعنيه ذلك من توفير بيئة عمل آمنة ومستقرة، وضمان الحقوق الاجتماعية والمادية للصحفيين والمصورين والتقنيين. ما يكفل للمهني ممارسة مهامه باستقلالية وتجرد، لأنها تحصنه من ضغوط الحاجة أو الارتهان للتقلبات المالية للمؤسسة.
حوكمة الدعم العمومي: من الإنقاذ الظرفي إلى الاستثمار الاستراتيجي
يشكل التمويل العمومي أداة حيوية لضمان استمرارية القطاع، إلا أن استدامته تتطلب قطيعة تامة مع شبهات “الريع الإعلامي”. إن نجاعة هذا الدعم رهين بوضوح معايير توزيعه وشفافية تدبيره، بحيث يشترط لتقديمه تحقيق أهداف قابلة للقياس:
حماية مناصب الشغل: التزام المؤسسات المستفيدة بتسوية الوضعية القانونية والمالية للعاملين واحترام التعاقدات والاتفاقيات الجماعية.
تطوير المحتوى وتخليق الممارسة: توجيه الاستثمار نحو الصحافة المهنية الرصينة، والقطع مع الكيانات الوهمية التي تقتات على الفتات المالي للإشعاع الزائف.
الانتقال التكنولوجي: دعم المؤسسات الجادة في تحولها نحو نماذج أعمال رقمية مبتكرة وتدريب الكوادر على صحافة البيانات والذكاء الاصطناعي.
حتمية التحول الرقمي: الموازنة بين السرعة والموثوقية
لقد سحب العصر الرقمي البساط من تحت النموذج التقليدي للصحافة الورقية، مغيرا عادات التلقي ومشتتا المداخيل الإشهارية. غير أن الاستجابة لهذا التحول لا تعني التخلي عن القواعد المؤسسة للمهنة. السرعة لا تصنع الصحافة، وحجم التفاعلات لا يعكس بالضرورة قيمة المادة الإعلامية.
فالنموذج الإعلامي المنشود يتطلب تكييفا يدمج بين سرعة الوسائط الرقمية وصرامة القواعد الصحفية. في مقدمتها التحقق المزدوج من المعطيات، واحترام الحياة الخاصة، وحماية المصادر، والتمييز الدقيق بين الخبر والرأي.
مصفوفة المسؤولية المشتركة لإنقاذ القطاع
إن إنقاذ الصحافة يتطلب تضافر جهود كافة المتدخلين، وفق مقاربة تشاركية تتجاوز التشخيص إلى بناء حلول عملية ومستدامة:
فالدولة مطالبة بوضع إطار قانوني ومؤسساتي يضمن استقلالية الإعلام، ويوجه الدعم العمومي وفق معايير واضحة وقابلة للتقييم، مع الضرب بيد من حديد على الممارسات التي تمس بكرامة المهنة وتفتح الباب أمام الدخلاء.
كما أن المؤسسات الإعلامية تتحمل مسؤولية تطوير نماذج اقتصادية جديدة، وتنويع مصادر الدخل، والاستثمار في التكوين والابتكار. فضلا عن لارتقاء بجودة المحتوى بعيدا عن منطق الاستجداء. فيما الهيئات المهنية والنقابية مطالبة بالدفاع عن الحقوق الاجتماعية للصحفيين، والمساهمة في تخليق الممارسة، ومحاربة الدخلاء الذين يسيئون للمهنة بتسعيرها ببضع دراهم.
كما أن الجمهور يظل شريكا أساسيا في هاته العملية، من خلال دعم الإعلام المهني الجاد (عبر الاشتراكات أو اقتناء الصحف)، والتمييز بين المصادر الموثوقة والمحتويات المضللة.
إن مستقبل الصحافة المغربية لن يحسم بقدرتها على مواكبة التحول الرقمي فقط، بل بمدى نجاحها في استعادة ثقة الجمهور، وصون استقلاليتها، وضمان كرامة العاملين فيها. لأن الاستثمار في الإعلام ليس كلفة إضافية، بل هو استثمار في الديمقراطية، وفي الحق في المعلومة، وفي قدرة المجتمع على فهم واقعه وصناعة مستقبله باحترام ورقي.