جريدة

الملك محمد السادس يدعو إلى جيل جديد من الاستراتيجيات الكبرى لتعزيز السيادة الوطنية

دعا الملك محمد السادس إلى إطلاق جيل جديد من الاستراتيجيات الكبرى، يركز على تعزيز السيادة الوطنية في مجالات الأمن المائي والطاقي والغذائي، وتسريع الإقلاع الصناعي، وتطوير الاقتصاد الرقمي، والانفتاح على الذكاء الاصطناعي، وذلك خلال خطابه بمناسبة افتتاح السنة التشريعية الجديدة.

وشدد الملك على ضرورة التعجيل بتطوير القدرات الوطنية في مجال الاحتياطات الاستراتيجية، وضمان تأمين إمدادات المواد الأساسية، مؤكداً أن الولاية التشريعية الجديدة تأتي في ظرفية استثنائية، تتيح فرصاً لمواصلة الإنجازات وتحقيق تقدم في مختلف المجالات.

وتعكس هذه التوجيهات استمرار التركيز على القطاعات المرتبطة بالسيادة الوطنية، مع توسيع دائرة الاهتمام لتشمل التحولات التكنولوجية والاقتصاد الرقمي، إلى جانب دعوة القطاع الخاص إلى الاضطلاع بدور استراتيجي في التحول التنموي بالمملكة.

السيادة الوطنية في صلب التوجهات الاستراتيجية

في قراءته لمضامين الخطاب الملكي، اعتبر العمراني بوخبزة، أستاذ القانون العام بجامعة عبد المالك السعدي ومحلل سياسي، أن غالبية محاور الخطاب ركزت على القضايا الاستراتيجية المرتبطة بالسيادة الوطنية، في امتداد للتوجه الذي يميز خطب افتتاح الولايات التشريعية الجديدة.

وأوضح بوخبزة أن المرحلة المقبلة تستدعي الانتقال إلى جيل جديد من الاستراتيجيات في مجالات الماء والطاقة والغذاء والرقمنة، مع إدراج الذكاء الاصطناعي ضمن الأولويات الأساسية، بالنظر إلى التحولات التي يشهدها العالم في هذه المجالات.

وسجل المتحدث أن مسألة الاحتياطات الاستراتيجية تحظى بأهمية خاصة، بعدما أظهرت الأزمات الدولية، بما فيها الحرب في أوكرانيا والتوترات المرتبطة بمضيق هرمز، مدى تأثر أسواق الطاقة وأسعار المحروقات بالتقلبات الخارجية.

وأضاف أن التوجيهات الملكية تعيد التأكيد على ضرورة مساهمة الفاعلين المعنيين في تكوين مخزونات استراتيجية من المواد الأساسية، بما يحد من تعرض البلاد لتداعيات الأزمات المناخية والضغوط الاقتصادية الدولية، مستحضراً في هذا السياق ما ورد في الخطاب الملكي لسنة 2021.

الحكومة المقبلة أمام رهانات الأمن المائي والطاقي والغذائي

من جانبه، أكد الخبير الاقتصادي عبد الخالق التهامي أن التوجيهات الملكية تضع الحكومة المقبلة أمام مسؤولية اعتماد استراتيجيات جديدة قادرة على تعزيز الأمن المائي والطاقي والغذائي، وتسريع التنمية الصناعية، وتطوير الاقتصاد الرقمي، ومواكبة التحولات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

وأوضح التهامي أن هذه التوجهات تهدف إلى ضمان استمرارية المشاريع الحيوية المرتبطة بسيادة البلاد، مع تسريع إحداث المنصات الجهوية للتخزين وتطوير الاحتياطات الأولية، خاصة بعد أن أبرزت أحداث مثل زلزال الحوز وفيضانات مناطق الشمال الحاجة إلى تعزيز الجاهزية لمواجهة الأزمات والكوارث.

وتبرز هذه المقاربة أهمية الانتقال من تدبير الأزمات بعد وقوعها إلى بناء منظومة استباقية قادرة على ضمان توفر المواد الأساسية واستمرارية الخدمات الحيوية في مختلف الظروف.

الأمن المائي يتطلب تسريع الربط بين الأحواض

وفي ما يتعلق بالسيادة المائية، شدد التهامي على أهمية تسريع مشاريع الربط بين الأحواض المائية، ومواصلة تطوير الحلول الرامية إلى تحسين تدبير الموارد المائية.

وأشار إلى أن الشبكة المائية التي جرى تطويرها خلال السنوات الأخيرة ساهمت في تقليص حجم المخاطر المرتبطة بالجفاف، دون أن يعني ذلك انتهاء التحديات التي تواجه المملكة في هذا المجال.

وتأتي هذه الدعوة في سياق الحاجة إلى تعزيز الأمن المائي، وتحسين توزيع الموارد بين المناطق، وتطوير البنيات التحتية القادرة على مواجهة التقلبات المناخية وضمان استدامة التزويد بالماء.

القطاع الخاص شريك أساسي في تمويل الأوراش الكبرى

وأكد الخبير الاقتصادي أن التوجيهات الملكية تندرج ضمن رؤية متكاملة وطويلة الأمد، تستهدف الحفاظ على استمرارية المشاريع الاستراتيجية وتسريع تنفيذها خلال السنوات المقبلة.

وفي هذا الإطار، تبرز دعوة الملك محمد السادس للقطاع الخاص إلى الاضطلاع بدور أكبر في الاستثمار وخلق فرص الشغل، باعتباره شريكاً أساسياً في إنجاح التحول التنموي.

ويرى التهامي أن حجم الأوراش الهيكلية المرتقبة خلال السنوات الخمس المقبلة يجعل من الصعب على ميزانية الدولة وحدها تحمل تكاليف تمويلها، ما يستدعي تعبئة الاستثمارات الخاصة وتوسيع مساهمة المقاولات في المشاريع الاقتصادية والصناعية.

وتضع هذه التوجهات الفاعلين الاقتصاديين أمام فرصة للمساهمة في تطوير قطاعات استراتيجية، وتعزيز الإنتاج الوطني، وخلق فرص عمل جديدة، بما يدعم تنافسية الاقتصاد المغربي ويقلص تبعيته للتقلبات الخارجية.

نحو نموذج تنموي أكثر قدرة على مواجهة الأزمات

تؤشر مضامين الخطاب الملكي، وفق القراءات المقدمة، إلى توجه نحو تعزيز الترابط بين الأمن المائي والطاقي والغذائي، والتصنيع، والتحول الرقمي، والذكاء الاصطناعي، ضمن رؤية استراتيجية تروم تقوية قدرة المملكة على مواجهة الأزمات الدولية والمناخية.

كما تبرز أهمية الاحتياطات الاستراتيجية وتطوير البنيات التحتية، إلى جانب توسيع دور القطاع الخاص في تمويل المشاريع الكبرى، باعتبارها عناصر أساسية لدعم استمرارية التنمية.

ويبقى التحدي المطروح أمام الحكومة المقبلة هو تحويل هذه التوجيهات إلى برامج عملية ومشاريع قابلة للتنفيذ، بما يضمن تعزيز السيادة الوطنية وتحقيق أثر اقتصادي واجتماعي ملموس على المدى الطويل.