جريدة

بعد تصريحات السيسي.. ثلاثة مرتكزات قانونية تفتح الباب أمام دفاع مصر عن السعودية

أثارت تصريحات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بشأن استعداد القاهرة لمساندة المملكة العربية السعودية في مواجهة أي اعتداءات تستهدفها، اهتماماً واسعاً على المستويين السياسي والعسكري، خاصة بعد دعوته مجلس النواب إلى عقد جلسة طارئة للنظر في تفويض يتيح للقوات المسلحة التحرك عند الضرورة، في إطار الدفاع وليس الهجوم.

وجاءت هذه التصريحات خلال كلمة ألقاها السيسي، السبت 17 أكتوبر 2026، بمناسبة حفل تخرج دفعات جديدة من الأكاديمية والكليات العسكرية، حيث أكد استعداد مصر لاتخاذ ما يلزم من إجراءات لمساندة السعودية، إذا طلبت ذلك، بما يعكس طبيعة العلاقات الاستراتيجية بين البلدين والتوجه المصري نحو تعزيز التضامن العربي في ظل التوترات الإقليمية.

وفي هذا السياق، قدم مسؤولون عسكريون وخبراء في القانون الدولي قراءات مختلفة لأبعاد التصريحات الرئاسية، والمرتكزات الاستراتيجية والقانونية التي يمكن أن تستند إليها أي خطوة مصرية محتملة.

ثوابت السياسة المصرية والتضامن مع دول الخليج

اعتبر اللواء أركان حرب أيمن عبدالمحسن، المتخصص في الشؤون العسكرية والاستراتيجية، أن تصريحات الرئيس المصري جاءت في سياق إقليمي ومحلي دقيق، وحملت رسائل سياسية تتجاوز مجرد إعلان الاستعداد للتدخل عند الضرورة.

وأوضح، في تصريحات نقلتها وسائل إعلام مصرية، أن من أبرز هذه الرسائل توجيه الشكر والتقدير إلى دول الخليج، وفي مقدمتها السعودية والإمارات والكويت، على ما قدمته من دعم لمصر خلال أزماتها منذ عام 2011.

وأضاف أن تأكيد السيسي استعداد بلاده لتنفيذ أي إجراء تطلبه المملكة للدفاع عن أمنها وسيادتها يعكس، بحسب تقديره، تمسك القاهرة بمبدأ حماية الأمن القومي العربي والخليجي المشترك، ويؤكد أهمية التضامن بين الدول العربية في مواجهة التحديات الإقليمية.

وأشار الخبير العسكري إلى أن التصريحات تحمل دلالات تتعلق بتعزيز الشراكة الاستراتيجية مع الدول العربية الكبرى، ولا سيما السعودية، بالنظر إلى مكانتها الإقليمية ودورها في معادلات الاستقرار بالمنطقة.

كما اعتبر أن تأكيد الارتباط بين أمن الخليج والأمن القومي المصري يعكس رؤية القاهرة لطبيعة المصالح المشتركة، فضلاً عن سعيها إلى تعزيز العلاقات مع حلفائها الخليجيين والتصدي لأي محاولات من شأنها التأثير سلباً في هذه الروابط.

ثلاثة مرتكزات قانونية محتملة للدفاع عن السعودية

من جانبه، قال الدكتور محمد محمود مهران، أستاذ القانون الدولي العام وعضو الجمعيتين الأمريكية والأوروبية للقانون الدولي، إن أي تحرك عسكري مصري محتمل لمساندة السعودية يمكن مناقشته في ضوء ثلاثة مرتكزات قانونية، تشمل الدستور المصري، ومعاهدة الدفاع العربي المشترك، وميثاق الأمم المتحدة.

وشدد مهران على أن الإجراءات الدستورية والقانونية تظل أساسية في تحديد طبيعة أي تدخل محتمل وشروطه، مؤكداً أن التصريحات السياسية ينبغي أن تقترن باحترام القواعد المنظمة لاستخدام القوة على المستويين الوطني والدولي.

أولاً: المادة 152 من الدستور المصري

أوضح أستاذ القانون الدولي أن المادة 152 من الدستور المصري تنظم مسألة إرسال القوات المسلحة في مهام قتالية خارج حدود الدولة، إذ تنص على ضرورة أخذ رأي مجلس الدفاع الوطني والحصول على موافقة مجلس النواب بأغلبية ثلثي أعضائه.

واعتبر أن دعوة السيسي البرلمان إلى عقد جلسة طارئة ترتبط بالإجراءات الدستورية اللازمة للنظر في أي تفويض محتمل، بما يضمن إخضاع قرار المشاركة العسكرية للضوابط المؤسساتية المحددة في الدستور.

ويبرز هذا المسار أهمية التمييز بين الإعلان السياسي عن الاستعداد للمساندة، واتخاذ قرار رسمي بشأن إرسال القوات المسلحة، وهو قرار تحكمه إجراءات دستورية محددة.

ثانياً: معاهدة الدفاع العربي المشترك

وأشار مهران إلى أن المرتكز الثاني يتمثل في معاهدة الدفاع العربي المشترك والتعاون الاقتصادي، الموقعة سنة 1950، والتي تهدف إلى تنظيم التعاون بين الدول العربية الأطراف في مواجهة الاعتداءات والتهديدات التي تستهدف أمنها.

وأوضح أن المعاهدة تتضمن التزامات تتعلق بالتعاون والدفاع المشترك، بما في ذلك إمكانية تقديم المساعدة العسكرية للدولة التي تتعرض لاعتداء، وفقاً لأحكامها وشروط تطبيقها.

وأضاف أن مصر والسعودية من الدول الموقعة على المعاهدة، معتبراً أن إعادة تفعيل آلياتها يمكن أن تشكل أحد الأطر المطروحة لتعزيز التعاون الدفاعي العربي في ظل التحديات الأمنية الراهنة.

ويعيد هذا النقاش إلى الواجهة مسألة تفعيل اتفاقيات الدفاع المشترك، ومدى قدرة المؤسسات العربية على تحويل الالتزامات القانونية إلى آليات عملية للتنسيق والتعاون الأمني.

ثالثاً: المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة

أما المرتكز الثالث، فيتعلق بالمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، التي تقر بحق الدول في الدفاع عن النفس، بصورة فردية أو جماعية، إذا وقع هجوم مسلح، إلى حين اتخاذ مجلس الأمن التدابير اللازمة لحفظ السلم والأمن الدوليين، وفق الشروط التي يحددها الميثاق.

وأوضح مهران أن هذا النص يمكن أن يشكل أساساً قانونياً للمساعدة الدفاعية بين الدول في حال توافرت الشروط اللازمة لتطبيقه، بما في ذلك وجود هجوم مسلح والالتزام بالقواعد المنظمة لممارسة حق الدفاع عن النفس.

وأشار إلى أن السعودية تواجه، بحسب تقديره، هجمات تستهدف مطاراتها ومنشآتها الحيوية ومناطق قريبة من مقدساتها، معتبراً أن هذا الوضع يعزز أهمية بحث سبل المساندة الدفاعية في إطار القانون الدولي.

وفي تفسيره لتصريحات السيسي، رأى مهران أن تأكيد الرئيس المصري أن بلاده لا تسعى إلى محاربة أي طرف، وإنما إلى الدفاع عن السعودية، يحدد الإطار المعلن لأي تحرك محتمل باعتباره إجراءً دفاعياً، لا عملاً هجومياً.

غير أن مشروعية أي تدخل عسكري تظل مرتبطة بتوافر الشروط القانونية ذات الصلة، واحترام مبادئ الضرورة والتناسب، فضلاً عن الالتزامات المترتبة على ميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي الإنساني.

بين الرسائل السياسية والضوابط القانونية

تعكس تصريحات الرئيس المصري، وفق القراءات التي نقلتها وسائل إعلام، توجهاً نحو تأكيد متانة العلاقات الاستراتيجية بين القاهرة والرياض، والتشديد على أن أمن دول الخليج يرتبط بالمصالح الأمنية المصرية.

وفي المقابل، فإن الانتقال من إعلان التضامن السياسي إلى اتخاذ إجراءات عسكرية فعلية يظل رهيناً بتطورات الوضع الإقليمي، وطبيعة أي اعتداء محتمل، واستيفاء الشروط الدستورية والقانونية اللازمة.

وبذلك، يفتح الموقف المصري النقاش حول مستقبل آليات الدفاع العربي المشترك، وحدود التعاون العسكري بين الدول العربية، ودور الاتفاقيات الإقليمية والدولية في تنظيم الاستجابة للتهديدات الأمنية، مع ضرورة التمييز بين المواقف السياسية المعلنة والتدابير التي تدخل حيز التنفيذ رسمياً.