جريدة

حكومة فاطمة الزهراء المنصوري.. رهان «المونديال» واختبار القدرة الشرائية وثقة الشارع

تدخل فاطمة الزهراء المنصوري مرحلة جديدة في مسارها السياسي، بعد تعيينها رئيسة للحكومة من طرف الملك محمد السادس يوم 29 شتنبر 2026، وتكليفها بتشكيل الحكومة الجديدة، في سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ المغرب على مستوى تولي امرأة رئاسة الحكومة. ويأتي هذا التحول السياسي في سياق وطني تتقاطع فيه رهانات اقتصادية واجتماعية كبرى مع استحقاقات دولية، في مقدمتها التحضير لتنظيم كأس العالم 2030.

وتجد رئيسة الحكومة المكلفة نفسها أمام مهمة تشكيل أغلبية برلمانية، بعدما تصدر حزب الأصالة والمعاصرة الانتخابات التشريعية دون الحصول على الأغلبية المطلقة، ما يجعل المشاورات مع باقي الأحزاب محطة أساسية قبل الإعلان عن التشكيلة الحكومية وبرنامجها.

غير أن تشكيل الحكومة لن يكون سوى الخطوة الأولى في مسار أكثر تعقيداً، إذ ستكون المرحلة المقبلة محكومة بمدى قدرة السلطة التنفيذية على الاستجابة لعدد من الملفات التي تحظى باهتمام مباشر من المواطنين، وفي مقدمتها القدرة الشرائية، والتشغيل، والخدمات العمومية، والاستثمار، إلى جانب مواصلة الأوراش المرتبطة بالاستعداد لمونديال 2030.

القدرة الشرائية.. الاختبار اليومي

يحتل ملف القدرة الشرائية موقعاً متقدماً ضمن التحديات التي تواجه الحكومة الجديدة، بالنظر إلى تأثير تكاليف المعيشة على ميزانيات الأسر وعلى تقييم المواطنين للأداء العمومي.

فالمواطن لا يقيس السياسات الاقتصادية بالأرقام والمؤشرات فقط، وإنما يلمس نتائجها في أسعار المواد الأساسية، وفواتير الاستهلاك، وتكاليف السكن والنقل، وفي قدرته على تلبية حاجيات أسرته اليومية.

ومن هذا المنطلق، فإن معالجة ضغوط الأسعار تتطلب، إلى جانب الإجراءات الاجتماعية، سياسات تستهدف تعزيز الإنتاج والمنافسة ومراقبة الأسواق، مع توجيه آليات الدعم نحو الفئات الأكثر احتياجاً.

ويظل هذا الملف مرتبطاً أيضاً بمسألة التوازن بين حماية القدرة الشرائية والحفاظ على استدامة المالية العمومية، خصوصاً في ظل تعدد الالتزامات الاجتماعية والاستثمارية للدولة.

الدعم الاجتماعي.. بين الحماية والاستدامة

يعيد الضغط على ميزانيات الأسر النقاش حول فعالية منظومة الدعم والسياسات الاجتماعية إلى الواجهة.

وقد انتقل المغرب خلال السنوات الأخيرة نحو مقاربة تستهدف توجيه الدعم بشكل أكثر مباشرة إلى المستفيدين، غير أن استمرار الضغوط المعيشية يفرض على الحكومة تقييم نتائج هذه السياسات ومدى قدرتها على الاستجابة للحاجيات المتغيرة للأسر.

والتحدي المطروح لا يتعلق فقط بحجم الدعم، وإنما بمدى فعاليته في حماية الفئات الهشة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على التوازنات المالية للدولة وضمان استمرارية البرامج الاجتماعية.

مونديال 2030.. فرصة تنموية ومسؤولية إضافية

في المقابل، تنتظر الحكومة الجديدة أوراش مرتبطة بتنظيم كأس العالم لكرة القدم 2030، الذي يستضيفه المغرب إلى جانب إسبانيا والبرتغال.

ويمثل هذا الاستحقاق ورشاً يتجاوز الجانب الرياضي، بالنظر إلى ارتباطه بالبنية التحتية والنقل والسياحة والاستثمار والتنمية الحضرية.

وتكمن أهمية المرحلة في قدرة المغرب على تحويل الاستثمارات المرتبطة بهذا الموعد إلى مشاريع ذات أثر مستدام، بحيث لا تقتصر نتائجها على فترة تنظيم البطولة، وإنما تمتد إلى تحسين البنيات والخدمات وتعزيز جاذبية المدن والاقتصاد الوطني على المدى الطويل.

ومن ثم، ستكون الحكومة أمام معادلة دقيقة: مواصلة تنفيذ الالتزامات المرتبطة بالاستحقاق الرياضي الدولي، بالتوازي مع الحفاظ على أولوية الملفات الاجتماعية والاقتصادية التي تشغل المواطنين.

التشغيل.. ملف الشباب في الواجهة

يبرز التشغيل باعتباره أحد الملفات التي تتقاطع فيها الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

فالشباب يحتاج إلى فرص عمل مستقرة، وإلى تكوين يتلاءم مع حاجيات سوق الشغل، فضلاً عن بيئة اقتصادية تشجع على المبادرة والاستثمار وتطوير المقاولات.

ولهذا، فإن نجاح السياسات الاقتصادية سيقاس أيضاً بقدرتها على خلق فرص شغل وتحسين قابلية الشباب للاندماج في سوق العمل، ودعم المقاولات الصغرى والمتوسطة باعتبارها مكوناً أساسياً للنسيج الاقتصادي.

الخدمات العمومية.. معيار القرب من المواطن

إلى جانب الاقتصاد والتشغيل، ستظل جودة الخدمات العمومية من أبرز المؤشرات التي سيقاس بها الأداء الحكومي.

فالمدرسة والمستشفى والنقل والإدارة ليست مجرد قطاعات تقنية، بل تشكل الواجهة اليومية لعلاقة المواطن بالمؤسسات.

وتحسين هذه الخدمات يتطلب تسريع الإصلاحات، وتطوير الحكامة، وربط المسؤولية بالنتائج، بما يجعل البرامج الحكومية قابلة للقياس والتقييم وليس مجرد أهداف معلنة.

التواصل الحكومي وثقة المواطنين

في مرحلة تتسم بارتفاع سقف الانتظارات، سيصبح التواصل الحكومي جزءاً من تدبير المرحلة، خصوصاً في الملفات التي ترتبط مباشرة بالحياة اليومية للمواطنين.

ويحتاج هذا التواصل إلى تقديم معطيات دقيقة حول البرامج والنتائج، وشرح الإكراهات الاقتصادية والمالية، وتوضيح ما يمكن إنجازه على المدى القصير وما يحتاج إلى آجال أطول.

فالثقة في المؤسسات لا تُبنى فقط من خلال إطلاق المشاريع، وإنما أيضاً من خلال وضوح الخطاب، وشفافية المعطيات، والقدرة على تفسير القرارات وربطها بأهداف قابلة للتقييم.

حكومة أمام رهانات متداخلة

تجد حكومة فاطمة الزهراء المنصوري نفسها، منذ مرحلة التشكيل، أمام مجموعة من الملفات المتداخلة: بناء أغلبية برلمانية، تحسين القدرة الشرائية، دعم التشغيل، تطوير الخدمات العمومية، تعزيز الاستثمار، ومواصلة التحضيرات المرتبطة بكأس العالم 2030.

ولا يتعلق التحدي فقط بتشكيل أغلبية قادرة على تمرير البرنامج الحكومي، وإنما أيضاً بتحديد أولويات واضحة وترجمتها إلى إجراءات قابلة للتنفيذ والقياس.

وبين الاستحقاقات الدولية الكبرى والانتظارات الاجتماعية اليومية، ستكون المرحلة المقبلة مناسبة لاختبار قدرة الحكومة على تحقيق التوازن بين المشاريع الاستراتيجية والحاجيات المباشرة للمواطنين.

وفي نهاية المطاف، سيظل أثر السياسات الحكومية في الحياة اليومية للمغاربة أحد أهم المعايير التي ستحدد صورة المرحلة المقبلة. فالمشاريع الكبرى تكتسب أهميتها عندما تنعكس على الاقتصاد وفرص الشغل والخدمات وجودة الحياة.

ومن هنا، فإن التحدي أمام الحكومة الجديدة لا يقتصر على إدارة مرحلة سياسية جديدة، بل يمتد إلى تحويل الأوراش والاستثمارات والبرامج إلى نتائج ملموسة، مع الحفاظ على التوازنات الاقتصادية والاجتماعية، وتعزيز الثقة في المؤسسات.

وتبقى قدرة الحكومة على ترتيب الأولويات، وتسريع التنفيذ، وتقييم النتائج، والتفاعل مع انتظارات المواطنين، عناصر أساسية في تحديد ملامح المرحلة المقبلة، في ظل رهان وطني كبير يرتبط بمونديال 2030، وتحديات يومية تتعلق بالأسعار والتشغيل والخدمات العمومية.