جريدة

صمت العجلي، سماسرة الانتخابات، ومأزق أولاد الطيب: هل يدفع الفاسيون ضريبة زواج المال بالسياسة مجدداً؟

تعيش الدائرة الانتخابية فاس الجنوبية حالة من الاحتقان والترقب المشوب بخيبة الأمل، حيث يبدو أن الوعود الوردية التي رافقت الحملات الانتخابية بدأت تتبخر سريعاً أمام جدار من الصمت الممنهج والتجاهل التام للمساءلة. إن هذا الواقع يضعنا أمام قراءة نقدية صريحة للممارسة الديمقراطية محلياً، ويسلط الضوء على التداعيات العميقة للتقاطع الخطير بين النفوذ المالي والتدبير العام، خاصة في ظل التهرب الواضح للنائب البرلماني خالد العجلي من مواجهة الإعلام والساكنة.

الهروب من الإعلام: إدانة مبكرة وإخلال دستوريإن التهرب من استفسارات الصحافة وإغلاق الهواتف، كما وثقته هيئات إعلامية محلية ووطنية، يتجاوز كونه مجرد تعثر تواصلي عابر، ليرقى إلى مستوى الاعتراف الضمني بغياب الرؤية الاستراتيجية وبرنامج العمل الحقيقي. هذا السلوك يضرب عرض الحائط بمكتسبات دستورية راسخة، وتحديداً الفصلين 27 و28 من الدستور المغربي، اللذين يكفلان حق المواطن في المعلومة. إن التساؤل الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل التهرب من أسئلة الصحافة هو ملاذ من لا يملك حلولاً عملية لمآسي الساكنة؟ إن حجب المعلومة هو في جوهره مصادرة لحق الناخب في تقييم أداء من فوضه لتمثيله.

تسليع الشأن العام: بوصلة الأولويات المفقودة
يضع تدبير الشأن العام من قبل شخصيات تغلب عليها الخلفية الاستثمارية والمصالح الخاصة علامات استفهام كبرى حول بوصلة الأولويات. لا يمكن للإدارة الفعالة لمشاكل ساكنة منهكة في مناطق كأولاد الطيب أن تتم بمنطق “الشركات” وحسابات الربح والخسارة. إن العمل السياسي، في جوهره، يتطلب تفرغاً وانحيازاً تاماً للطبقات الهشة، وتجرداً كاملاً من أي حماية للمصالح الذاتية. حينما يطغى الرأسمال على القرار السياسي، يتحول المواطن من محور للتنمية إلى مجرد رقم في معادلة تخدم فئة قليلة على حساب الأغلبية.

استنساخ الماضي المرير: أشباح التسيير السابق
إن الاستناد المستمر إلى اللوبيات المهيمنة والاعتماد على ما يصطلح عليه محلياً بـ”سماسرة الانتخابات” لتأمين المواقع، يقدم دليلاً ملموساً على أن النهج المتبع يفتقر إلى أي تجديد. هذه الممارسات تعيد إلى الأذهان حقبات سياسية اعتقد الفاسيون أنها ولت مع تجارب سابقة كحميد شباط ورشيد الفايق. وفي ظل هذه الاستمرارية، يبدو أن الوجوه والأسماء تتغير، بينما تظل آليات التحكم والهروب إلى الأمام هي الثابت الوحيد في تدبير الشأن المحلي.

أولاد الطيب: الجرح النازف والشرعية الشعبية
إن التمترس خلف أحكام المحكمة الدستورية قد يمنح شرعية قانونية شكلية، لكنه قطعاً لا يمنح “الشرعية الشعبية”. هذه الأخيرة لا تُكتسب بالقرارات الإدارية، بل تُنتزع بالنزول إلى الشوارع المنسية في أولاد الطيب، وبمواجهة الساكنة بالحقائق والبرامج العملية بدلاً من الاختباء خلف صمت الهواتف. إن ترك الساحة للمتنفذين وغياب التواصل المباشر يحول الممثل البرلماني من صوت نابض للشعب إلى مجرد عائق إضافي أمام التنمية المحلية.

وأمام هذا المشهد، بات لزاماً على المجتمع المدني والجسم الصحافي بفاس الانتقال من التشخيص إلى الفعل، عبر تفعيل آليات الرقابة الدستورية، وتوحيد الجهود لمحاصرة التعتيم، بغية كسر طوق الصمت وفرض المساءلة العلنية قبل أن تتفاقم الأزمات المحلية وتصل إلى نقطة اللاعودة.