جريدة

قانون المحاماة يثير جدلاً حول الرقابة الدستورية

الدكتورة:فتيحة الطالبي

أثار قرار المحكمة الدستورية رقم 277/26 بشأن القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة نقاشاً قانونياً حول حدود الشكلانية في ممارسة الرقابة على دستورية القوانين، لاسيما في ظل اختلاف مآل هذه الإحالة عن قرار سابق للمحكمة يتعلق بالقانون رقم 58.25 الخاص بالمسطرة المدنية.

وبحسب المعطيات الواردة في هذا النقاش، لم ترفض المحكمة الدستورية الإحالة بسبب عدم توفر الجهة المحيلة على الصفة أو بسبب غموض القانون موضوع الرقابة، وإنما قضت بتعذر البت فيها «على حالها»، بعدما تبين أن رسالة رئيس مجلس النواب لم تكن مرفقة بالنص النهائي للقانون كما تمت المصادقة عليه، وهو ما اعتبرته المحكمة عائقاً أمام ممارسة اختصاصها الرقابي.

ويطرح هذا المعطى سؤالاً جوهرياً حول مدى صرامة التعامل مع الوثائق المرافقة للإحالات الدستورية، خصوصاً أن قراراً سابقاً للمحكمة، رقم 255/25 بشأن قانون المسطرة المدنية، واجه وضعاً قريباً، حيث لم تكن الوثيقة المرفقة بالإحالة تتضمن الصيغة النهائية المعتمدة، غير أن المحكمة استحضرت النص النهائي وانتقلت إلى فحص مدى مطابقته للدستور.

وتزداد أهمية المقارنة بين القرارين بالنظر إلى تشابه الإحالتين في طبيعة تقديمهما، إذ يتعلق الأمر بما يوصف بـ«الإحالة البيضاء»، أي إحالة القانون إلى المحكمة الدستورية دون تحديد دقيق للمقتضيات المراد إخضاعها للرقابة، ودون صياغة طلب صريح لفحص دستورية القانون في مجموعه.

وبينما انتهت إحالة قانون المسطرة المدنية إلى ممارسة الرقابة على جوهر النص بعد استحضار صيغته النهائية، توقفت إحالة قانون تنظيم مهنة المحاماة عند النقص الوثائقي، وهو اختلاف يفتح باب التساؤل حول معيار التعامل القضائي مع الحالات المتشابهة، ومدى استقرار الاجتهاد الدستوري وقابليته للتوقع.

وفي هذا السياق، تبرز مسؤولية مجلس النواب بشكل واضح، باعتباره الجهة التي أحالت القانون إلى المحكمة الدستورية. فإرفاق النص النهائي بالقانون موضوع الإحالة يمثل، من الناحية المؤسساتية، إجراءً أساسياً لا ينبغي إغفاله، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بنص تشريعي ذي أهمية بالغة، وبمسطرة دستورية يفترض أن تقوم على الدقة والوضوح واحترام المقتضيات المنظمة لها.

غير أن هذه المسؤولية تطرح، في المقابل، سؤالاً آخر يتعلق بكيفية التعامل مع نقص وثائقي قابل للتدارك. فإذا كان العيب لا يمس جوهر الإحالة، وكان بالإمكان استكمال الوثائق المطلوبة، فإن ذلك يثير نقاشاً حول ما إذا كان الأولى هو تمكين الجهة المعنية من تصحيح النقص، بدل ترتيب أثر يؤدي إلى تعذر ممارسة الرقابة الدستورية على القانون.

ويكتسي هذا النقاش أهمية خاصة لأن الرقابة الدستورية لا تتعلق فقط بعلاقة إجرائية بين المحكمة والجهة المحيلة، وإنما ترتبط أيضاً بحماية سمو الدستور وضمان الحقوق والحريات. وبالتالي، فإن أي تعثر في ممارسة هذه الرقابة قد تكون له آثار تتجاوز المؤسسات المعنية إلى المواطنين والفاعلين المعنيين بالنص التشريعي.

وبينما تظل المسطرة الدستورية ضمانة أساسية لحسن سير المؤسسات واحترام القانون، فإن النقاش الفقهي والقضائي يظل مفتوحاً حول الحد الفاصل بين الشكلية الضرورية التي تحمي الرقابة الدستورية، والشكلية التي قد تتحول، في بعض الحالات، إلى عائق أمام ممارستها.

وعليه، فإن قرار المحكمة الدستورية رقم 277/26 لا يثير فقط أسئلة مرتبطة بالقانون رقم 66.23 ومهنة المحاماة، بل يعيد إلى الواجهة قضايا أوسع تتعلق بوحدة الاجتهاد الدستوري، واستقرار المعايير القضائية، وتوقع نتائج الرقابة عندما تتشابه الظروف والإجراءات.

كما يضع القرار المؤسسات المعنية أمام مسؤوليات متكاملة: مسؤولية البرلمان في ضمان سلامة الإحالات واستكمال وثائقها، ومسؤولية الاجتهاد الدستوري في ترسيخ معايير واضحة ومستقرة وقابلة للتوقع.

وفي نهاية المطاف، يبدو أن الرهان يتجاوز الجدل حول قانون تنظيم مهنة المحاماة، ليشمل جودة التشريع وفعالية الرقابة الدستورية وحماية حقوق المواطنين، بما يضمن ألا تتحول الأخطاء الإجرائية القابلة للتدارك إلى سبب يحول دون فحص دستورية القوانين.