مراكش.. حين تتحول اتهامات «اللايف» إلى أسئلة تنتظر جواب القضاء
مراكش – لم يعد الجدل الذي تثيره بعض البثوث المباشرة عبر مواقع التواصل الاجتماعي مجرد خلافات عابرة بين أفراد، بعدما باتت تصريحات متداولة تتناول القضاء والأمن والإدارة والصحافة وهيئات مهنية، وتحظى بانتشار واسع، الأمر الذي يطرح الحاجة إلى الانتقال من منطق السجال الافتراضي إلى منطق الوثيقة والتحقق والمسؤولية القانونية.
وفي هذا السياق، أثار بث مباشر نشرته سيدة عبر صفحتها على موقع «فايسبوك» نقاشاً واسعاً، بعدما تطرقت خلاله إلى عدد من الملفات والأشخاص والمؤسسات، وتضمنت تصريحاتها، وفق ما يظهر في التسجيل المتداول، ادعاءات واتهامات طالت جهات قضائية وأمنية ومهنية وإعلامية.
ومن بين أبرز النقاط التي تستدعي التحقق، ما ورد بشأن شهادة الملاءمة وربط هذه الوثيقة بأسماء قضاة. وهو ما يطرح جملة من الأسئلة الأساسية: ما طبيعة هذه الوثيقة؟ ومن الجهة التي أصدرتها؟ وما الأساس القانوني الذي استندت إليه؟
وفي حال كانت المعنية بالأمر تتوفر على وثائق أو معطيات تثبت ما ورد في تصريحاتها، فإن المسار الطبيعي يقتضي تقديمها إلى الجهات المختصة، حتى يتسنى فحصها والتحقق منها والاستماع إلى مختلف الأطراف المعنية.
أما توجيه اتهامات إلى أشخاص أو مؤسسات من دون تقديم أدلة واضحة، فيبقى مسألة بالغة الحساسية، خصوصاً عندما يتم ذلك أمام جمهور واسع وعلى منصات رقمية قادرة على توسيع نطاق انتشار التصريحات خلال وقت وجيز.
القضاء ليس منصة للاتهام.. و«اللايف» ليس محكمة
اللافت في هذه القضية أن دائرة التصريحات المتداولة، وفق المضامين التي يتم تداولها، لم تقتصر على جهة واحدة، بل شملت أسماء ومؤسسات مرتبطة بمدينتي مراكش وفاس، إلى جانب جهات أمنية ومهنية.
وهذا الاتساع يطرح سؤالاً جوهرياً: إذا كان لدى أي شخص معطيات جدية بشأن مخالفات أو تجاوزات مفترضة، فلماذا لا يتم وضعها أمام الجهات القضائية المختصة، مرفقة بالوثائق والأدلة؟
فاللجوء إلى القضاء يضمن حقوق مختلف الأطراف، ويتيح فحص الوقائع وفق المساطر القانونية، بينما قد يؤدي تحويل مواقع التواصل الاجتماعي إلى ساحة لتبادل الاتهامات إلى تضارب الروايات، فضلاً عن إمكانية المساس بسمعة أشخاص قبل أن تقول الجهات المختصة كلمتها.
الصفة الصحفية.. مسؤولية قبل أن تكون لقباً
وتفتح القضية كذلك نقاشاً أوسع حول استعمال صفة «صحفي» وتمثيل المؤسسات والهيئات أمام المواطنين والمسؤولين.
فالعمل الصحفي تحكمه قواعد وضوابط مهنية وقانونية، كما أن تمثيل المؤسسات والهيئات يرتبط بدوره بشروط ووثائق يمكن التحقق منها عبر الجهات المختصة.
وعليه، فإن أي خلاف يتعلق بالصفة الصحفية أو اعتماد مؤسسة إعلامية أو استعمال اسم هيئة مهنية، يفترض أن يحسم بالرجوع إلى الوثائق الرسمية والجهات المخولة قانوناً، بدل أن يظل رهين التصريحات المتبادلة على منصات التواصل الاجتماعي.
فالوثيقة تظل الوسيلة الأوضح للانتقال بالنقاش من دائرة الادعاء إلى دائرة التحقق.
من مراكش إلى فاس.. أسئلة تتسع
كما أعادت التصريحات المتداولة إلى الواجهة حديثاً سابقاً عن اتهامات طالت مسؤولين بجهة مراكش، وأخرى تناولت عناصر من الدرك والقضاء بمدينة فاس، فضلاً عن مواقف مرتبطة بالمجلس الوطني للصحافة.
وبغض النظر عن مدى صحة هذه الادعاءات من عدمها، فإن تعدد الأسماء والجهات الواردة فيها يفرض التعامل معها بمنهج مهني وقانوني، بعيداً عن الأحكام المسبقة.
فالقاعدة واضحة: كل واقعة تحتاج إلى دليل، وكل اتهام يحتاج إلى إثبات، وكل وثيقة تحتاج إلى فحص وتحقيق.
وهذه المسؤولية لا تقع على عاتق الصحافة وحدها، بل تبقى من اختصاص الجهات المخولة قانوناً بالبحث والتحقيق، والتي يمكنها الاستماع إلى الأطراف وفحص الوثائق وتحديد المسؤوليات، في حال ثبت وجود أفعال تستوجب المساءلة.
الرحامنة.. محطة جديدة للجدل؟
وفي خضم هذا الجدل، برزت أيضاً إشارات إلى نشاط إعلامي وتحركات باتجاه منطقة الرحامنة، ترافقت مع تصريحات وتهنئات موجهة إلى شخصيات سياسية.
غير أن الصحافة المهنية لا تبني الاتهامات على النوايا، كما أن التهنئة أو التواصل أو الظهور المشترك لا يمكن، في حد ذاته، اعتباره دليلاً على وجود أهداف أو ترتيبات غير معلنة.
وفي حال وجود وقائع محددة تستدعي البحث، فإن تقديمها بشكل واضح ومرفق بالوثائق والأدلة يبقى السبيل الكفيل بإخراج الموضوع من دائرة التأويلات إلى دائرة الحقائق القابلة للتحقق.
شكاية مرتقبة قد تضع النقاط على الحروف
وبحسب المعطيات المتداولة، فإن ملف هذه التصريحات قد يعرف تطورات جديدة من خلال إمكانية وضع شكاية لدى الجهات المختصة بمدينة مراكش، مع إرفاقها بما يتوفر عليه أصحابها من تسجيلات ووثائق ومعطيات.
وفي حال تم وضع الشكاية بشكل رسمي، فإن مسؤولية التحقق من الوقائع ستنتقل إلى الجهات المختصة، التي يمكنها الاستماع إلى الأطراف المعنية وفحص الوثائق والمعطيات المتوفرة، وتحديد ما إذا كانت التصريحات المتداولة تتضمن أفعالاً يمكن أن تترتب عنها مسؤولية قانونية.
وفي المقابل، يظل من حق كل شخص ورد اسمه في هذه التصريحات الدفاع عن نفسه، وتقديم توضيحاته، واللجوء إلى القضاء إذا اعتبر أن تصريحاً أو ادعاءً ألحق الضرر بسمعته أو مس بحقوقه.
المطلوب اليوم.. الحقيقة لا مزيد من الضجيج
في نهاية المطاف، لا يحتاج المجتمع إلى مزيد من «اللايفات» التي تتحول إلى منصات لتبادل الاتهامات، بقدر ما يحتاج إلى وثائق واضحة، ونتائج تحقيقات رسمية، ومساطر قانونية قادرة على حسم الوقائع.
فالصحافة ليست خصومة شخصية، والقضاء ليس وسيلة لتصفية الحسابات، ومواقع التواصل الاجتماعي لا يمكن أن تكون بديلاً عن المؤسسات الدستورية والقانونية.
ومن هذا المنطلق، فإن أي ادعاء يتعلق بالقضاء أو الأمن أو الصحافة أو الإدارة ينبغي أن يخضع للقاعدة نفسها: الدليل أولاً، والتحقيق ثانياً، والحكم للقانون.
أما الحقيقة النهائية، فلا يمكن أن تكون ملكاً لأي طرف في هذا الجدل، وإنما تكشفها الوثائق والتحقيقات والقرارات الرسمية الصادرة عن الجهات المختصة.
وفي انتظار ما قد تسفر عنه أي شكايات أو أبحاث محتملة، يبقى السؤال المطروح في مراكش مفتوحاً: هل ستضع الوثائق والتحقيقات حداً للاتهامات المتبادلة، أم سيظل «اللايف» بديلاً عن المسار القانوني؟