جريدة

حكام دكالة.. مدرسة لصناعة العدالة الكروية

مصطفى القرفي

في قاعة متواضعة، تتوسطها طاولات خشبية وكراسٍ ملونة، تُعقد اجتماعات قد تبدو عادية للوهلة الأولى، لكنها في الواقع تمثل إحدى أهم المحطات في مسار التحكيم الرياضي بجهة دكالة. فداخل هذه الغرفة، بعيداً عن صخب الجماهير وضغط المباريات، تُراجع القرارات، وتُقيَّم الأخطاء، ويُصقل الحكام استعداداً لمواعيد كروية جديدة.

وتشكل الاجتماعات الدورية للجمعية الجهوية للحكام فضاءً مهنياً يلتقي فيه الحكم بمؤطره في جلسات تقييم دقيقة، تُناقش خلالها الحالات التحكيمية التي شهدتها المباريات، في إطار يطغى عليه الانضباط والموضوعية. فلا مكان هنا للعاطفة أو المجاملة، بل يعتمد التقييم على احترام القانون والاستفادة من الأخطاء لتطوير الأداء.

ويؤكد هذا النهج أن الحكم، الذي يلتزم الصمت طيلة تسعين دقيقة داخل الملعب، يجد في هذه اللقاءات فرصة للتعبير، ومراجعة قراراته، والاستفادة من توجيهات مؤطريه. كما أن التقارير التقنية التي تُنجز عقب كل اجتماع لا تقتصر على تقييم الأداء، بل تساهم في تحديد مسار الحكام، سواء من خلال منحهم فرصاً جديدة، أو إعدادهم للترقي إلى مستويات أعلى، أو معالجة أوجه القصور التي تحتاج إلى تطوير.

وتواصل الجمعية الجهوية للحكام بدكالة أداء دور محوري في تكوين الأطر التحكيمية، حيث كانت على امتداد السنوات مدرسة حقيقية خرّجت عدداً من الحكام الذين شقوا طريقهم نحو المنافسات الوطنية، بعد أن كانت بداياتهم في ملاعب الأحياء والملاعب الجهوية بكل من الجديدة وأزمور ومختلف مناطق دكالة.

ورغم التحديات التي تواجه حكام الأقسام الجهوية، من ضغوط المباريات والانتقادات المتواصلة، وصولاً في بعض الحالات إلى التعرض للإساءة أو الاعتداء، فإنهم يواصلون أداء مهامهم بروح المسؤولية، مستندين إلى التأطير والدعم الذي توفره الجمعية، بما يعزز ثقتهم ويؤكد أهمية رسالتهم في حماية نزاهة المنافسة الرياضية.

ويجمع المتابعون على أن تطور كرة القدم لا يرتبط فقط بجودة اللاعبين أو الأندية، بل يعتمد أيضاً على وجود منظومة تحكيم قوية، قادرة على تطبيق القانون بعدالة واستقلالية. فكلما تعزز التكوين والتأطير داخل قاعات الاجتماعات، انعكس ذلك إيجاباً على الملاعب، لترتقي المنافسات بروح الإنصاف واحترام قواعد اللعبة.

وفي ظل هذه الجهود، يظل حكام دكالة نموذجاً للعطاء في صمت، يختارون تحمل مسؤولية القرارات الصعبة والوقوف في قلب المنافسة، إيماناً منهم بأن احترام كرة القدم يبدأ من احترام قوانينها وحراسها.