جريدة

سرعة تشكيل حكومة المنصوري.. توازنات الأحزاب وتوزيع الحقائب يحددان مسار المشاورات

تتواصل المشاورات التي تقودها فاطمة الزهراء المنصوري لتشكيل الحكومة المغربية الجديدة، وسط ترقب سياسي بشأن المدة التي قد تستغرقها المفاوضات، في ظل تباين مواقف الأحزاب حول المشاركة في الأغلبية الحكومية، وتوزيع الحقائب الوزارية، وصياغة البرنامج الحكومي، إلى جانب التوافق بشأن هيكلة القطاعات والمسؤوليات.

ويرى متابعون للشأن السياسي أن سرعة تشكيل الحكومة لا ترتبط فقط بنتائج الانتخابات، بل تتأثر أيضا بطبيعة الخريطة البرلمانية، ومدى تقارب البرامج الحزبية، وقدرة الأطراف المعنية على التوصل إلى توافقات سياسية تضمن تشكيل أغلبية منسجمة وقادرة على الاستمرار.

التوافق السياسي والبرنامجي.. أساس تشكيل الحكومة

أكد مصطفى صغيري، الدكتور في القانون العام والعلوم السياسية والباحث في الحكامة والسياسات العمومية، أن سرعة أو بطء تشكيل الحكومة يرتبطان بمجموعة من العوامل، من بينها طبيعة التوازنات داخل البرلمان، ومدى التقارب بين البرامج الحزبية، وشروط المشاركة في الحكومة، فضلا عن المفاوضات المتعلقة بتوزيع المسؤوليات.

وأوضح صغيري، في تصريح صحفي، أن المشاورات التي تقودها فاطمة الزهراء المنصوري تكتسي أهمية خاصة، مشددا على أن تشكيل الحكومة لا ينبغي أن يقتصر على جمع أغلبية عددية، بل يتعين أن يستند إلى توافق سياسي وبرنامجي قادر على الاستجابة لانتظارات المواطنين وتحويل الالتزامات الانتخابية إلى سياسات عمومية فعالة.

وأضاف أن هذا الاستحقاق يأتي في سياق يتطلب ترجمة التوجيهات الملكية الواردة في خطاب افتتاح البرلمان، يوم الجمعة 9 أكتوبر الجاري، إلى برامج عملية تستجيب لأولويات التنمية الاقتصادية والاجتماعية والمجالية.

وتشمل هذه الأولويات، بحسب المتحدث، تحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية والمجالية، وإعطاء قضايا الشباب مكانة متقدمة ضمن السياسات العمومية، وتشجيع الاستثمار المنتج وخلق فرص الشغل، إلى جانب تسريع التنمية الترابية المندمجة وتفعيل الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري.

وشدد الباحث على أن الرهان الأساسي أمام الأغلبية المقبلة يتمثل في قدرتها على تشكيل فريق حكومي متجانس، وإعداد برنامج واضح يتضمن أهدافا قابلة للقياس والتنفيذ، مع اعتماد آليات فعالة للمساءلة والتقييم.

واعتبر أن نجاح تشكيل الحكومة لا يقاس بالضرورة بسرعة الإعلان عنها، وإنما بجودة التوافقات السياسية، ووضوح المشروع الحكومي، والقدرة على الانتقال من توزيع المناصب والمسؤوليات إلى تحقيق نتائج ملموسة في حياة المواطنين.

توزيع الحقائب الوزارية من أبرز نقاط الخلاف

من جهته، أوضح عبد الرحيم العلام، أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية بجامعة القاضي عياض بمراكش، أن المفاوضات المتعلقة بتشكيل الحكومة قد تستغرق وقتا طويلا بسبب تعدد الملفات المطروحة، بدءا بتحديد الأحزاب التي ستشارك في الأغلبية، وصولا إلى توزيع الحقائب الوزارية والاتفاق على الخطوط العريضة للبرنامج الحكومي.

وأشار العلام إلى أن المنصوري قد تختار التريث في تدبير المشاورات لتفادي تعثرها أو فشلها، خصوصا في ظل تباين المطالب الحزبية بشأن المشاركة في الحكومة وطبيعة المسؤوليات التي ستُسند إلى كل طرف.

وأضاف أن المفاوضات لا تقتصر على تحديد التوجهات العامة للعمل الحكومي، بل تشمل أيضا مطالب بعض الأحزاب بالحصول على وزارات معينة، أو إسناد حقائب محددة إلى شخصيات بعينها، وهو ما قد يخلق خلافات تؤخر الوصول إلى اتفاق نهائي.

ولفت الأستاذ الجامعي إلى أن المفاوضات قد تمتد، في بعض الحالات، إلى الاعتراض على مشاركة حزب معين ضمن التحالف الحكومي، مستحضرا تجربة سنة 2016، حين رفض عبد الإله بنكيران، خلال مفاوضات تشكيل الحكومة آنذاك، مشاركة حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في الأغلبية.

احتمال توجه الأحرار إلى المعارضة يضيف تعقيدا جديدا

وتطرق العلام إلى احتمال انتقال حزب التجمع الوطني للأحرار إلى المعارضة، في ظل ما يجري تداوله بشأن مستقبله داخل المشهد الحكومي، معتبرا أن هذا السيناريو، إذا تحقق، قد يؤثر في حسابات التوازنات البرلمانية.

وأوضح أن وجود التجمع الوطني للأحرار إلى جانب حزب العدالة والتنمية وأحزاب يسارية في المعارضة قد يمنح هذه المكونات إمكانات أكبر للتنسيق البرلماني، سواء من خلال تشكيل فريق برلماني أو الدفع نحو إحداث لجنة لتقصي الحقائق، وفق الشروط والإجراءات القانونية المعمول بها.

كما أشار إلى أن المشاورات قد تشمل توزيع رئاستي مجلس النواب ومجلس المستشارين، إلى جانب الحقائب الوزارية، في ظل مطالب بعض الأحزاب بتحقيق التناسب بين عدد المناصب الحكومية وحجم تمثيليتها البرلمانية.

وفي هذا السياق، قد تتمسك بعض المكونات السياسية بضرورة اعتماد معيار التمثيل العددي في توزيع الحقائب، بينما قد تربط أحزاب أخرى مشاركتها الحكومية بالحصول على مسؤوليات تتناسب مع موقعها السياسي وحجم حضورها داخل البرلمان.

واستحضر العلام وضع حزب التقدم والاشتراكية، الذي قد يطالب بنصيب حكومي يتناسب مع موقعه، بالنظر إلى أن المشاركة في الحكومة قد تطرح، بالنسبة إليه، تساؤلات بشأن كلفة التخلي عن موقع المعارضة ورصيده السياسي والنضالي، وما إذا كانت الحقائب المقترحة تبرر هذه الخطوة.

هيكلة الحكومة.. ملف مفتوح على احتمالات متعددة

ولا تتوقف المفاوضات، بحسب العلام، عند تحديد الأحزاب المشاركة وتوزيع المناصب، بل تشمل أيضا الهيكلة التنظيمية للحكومة المقبلة، بما في ذلك إحداث وزارات جديدة أو دمج قطاعات قائمة أو تقسيمها، فضلا عن تحديد عدد كتاب الدولة وطبيعة المسؤوليات التي ستُسند إلى سياسيين أو كفاءات تكنوقراطية.

وأوضح أن اختيار الشخصيات المرشحة لتولي المسؤوليات الحكومية قد يؤثر بدوره في شكل الهيكلة، إذ يمكن أن يقود تعيين شخصية معينة إلى جمع قطاعات وزارية ضمن وزارة واحدة، في حين قد يفضي اختيار شخصية أخرى إلى توزيع الاختصاصات على أكثر من قطاع.

وأضاف أن تحديد الهيكلة الحكومية لا يرتبط بالمفاوضات الحزبية وحدها، بل يتأثر أيضا بالتوجهات الملكية، التي قد تفضي إلى إعادة تنظيم بعض القطاعات أو دمجها أو فصلها، وفق طبيعة الأولويات المطروحة.

وأشار المتحدث إلى أن بعض التفاصيل المتعلقة بتنظيم المصالح والقطاعات المرتبطة بالشؤون المحلية قد تظل محل نقاش خلال المشاورات، مؤكدا أن الاتفاق على أسماء الوزراء قد يفرض مراجعة الهيكلة الحكومية نفسها، تبعا لطبيعة الحقائب المطلوبة وتوزيع الاختصاصات والميزانيات.

مشاورات على مراحل والاتفاق النهائي رهين بالتوازنات

وخلص العلام إلى أن المفاوضات بشأن تشكيل الحكومة لا تُحسم بالضرورة خلال اجتماع واحد، بل تمر عبر مراحل متعددة، قد يتم خلالها الاتفاق على بعض الملفات، في مقابل استمرار الخلاف حول ملفات أخرى.

وأكد أن الأحزاب التي يُتداول بشأن مشاركتها في الأغلبية قد تجد نفسها خارج الحكومة في نهاية المطاف، بحسب ما ستسفر عنه المفاوضات والتوازنات السياسية.

وبين الرغبة في تسريع تشكيل الحكومة والحاجة إلى ضمان انسجام مكوناتها، تبدو المشاورات التي تقودها فاطمة الزهراء المنصوري محكومة بعدة اعتبارات متداخلة، أبرزها توزيع الحقائب الوزارية، والاتفاق على البرنامج الحكومي، وتحديد ملامح الهيكلة المقبلة.

ويبقى التحدي الأساسي هو التوصل إلى أغلبية قادرة على تجاوز حسابات توزيع المناصب، والانتقال إلى تنفيذ برنامج حكومي يستجيب للأولويات الاقتصادية والاجتماعية والتنموية، ويترجم انتظارات المواطنين إلى نتائج ملموسة.