تشكيل الحكومة بالمغرب.. هل يمكن تحقيق التغيير بوجوه سياسية قديمة؟
في خضم التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي يشهدها المغرب، يبرز سؤال جوهري حول مدى قدرة التشكيلة الحكومية المقبلة على إحداث تغيير حقيقي في تدبير الشأن العام، خصوصاً في ظل استمرار النقاش بشأن إمكانية الاعتماد على شخصيات سياسية سبق أن تولت مسؤوليات حكومية خلال مراحل سابقة.
ويضع هذا التساؤل المشهد السياسي أمام مفارقة أساسية: هل يمكن لوجوه ارتبطت في نظر فئات من المواطنين بتجارب لم تحقق الانتظارات المنشودة أن تكون جزءاً محورياً من مشروع التغيير والإصلاح؟ وهل يكفي تجديد الخطاب والبرامج لإحداث التحول المطلوب، أم أن الأمر يستدعي أيضاً تجديد النخب وأساليب التدبير وصناعة القرار؟
تجديد الوجوه.. مدخل إلى استعادة الثقة
إن تحقيق التغيير لا يقتصر على الإعلان عن برامج جديدة أو تقديم وعود سياسية متجددة، بل يتطلب مراجعة عميقة لأساليب العمل، وتقييماً موضوعياً للحصيلة السابقة، إلى جانب استعادة ثقة المواطنين في المؤسسات والفاعلين السياسيين.
وفي هذا السياق، يطرح المغرب، مع اقتراب مرحلة سياسية جديدة بعد 31 أكتوبر، رهانات استراتيجية كبرى، تتصل بأوراش التنمية والإصلاح، فضلاً عن الملفات الداخلية والخارجية التي تستدعي كفاءات وطنية قادرة على تقديم تصورات مبتكرة، واعتماد مقاربات أكثر فعالية في تدبير القضايا المطروحة.
ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية إفساح المجال أمام كفاءات ووجوه جديدة، تمتلك رؤية حديثة وقدرة على مواكبة التحولات المتسارعة، بدل الاكتفاء بإعادة تدوير التجارب السابقة دون تقييم دقيق لنتائجها ومدى استجابتها لتطلعات المواطنين.
مخاطر إعادة إنتاج الأساليب القديمة
إن إعادة الاعتماد على الشخصيات نفسها، دون مراجعة أدائها أو تغيير منهجية اشتغالها، قد تجعل التغيير المعلن محدود الأثر، خصوصاً إذا استمرت العقليات ذاتها وآليات التدبير نفسها التي أسهمت في تعثر بعض الأوراش أو إضعاف الثقة في العمل السياسي.
كما أن التحولات الحقيقية قد تصطدم بمقاومة المصالح القائمة، عندما تتعارض الإصلاحات مع امتيازات أو شبكات نفوذ اعتادت الاستفادة من الوضع السابق. وقد تتحول هذه المقاومة إلى أحد أبرز العوائق أمام تنزيل السياسات الجديدة، إذا لم تقترن الإرادة السياسية بآليات واضحة للمراقبة والمحاسبة.
غير أن تقييم المسؤولين لا ينبغي أن يستند فقط إلى أقدميتهم أو انتمائهم إلى النخب السابقة، بل يتعين أن يرتكز على حصيلة أدائهم، ومدى قدرتهم على التكيف مع متطلبات المرحلة، واستعدادهم للانخراط الفعلي في الإصلاح.
المحاسبة شرط لنجاح أي تجربة حكومية
إن اختيار الاستمرار في الاعتماد على بعض الوجوه السياسية السابقة يظل خياراً محفوفاً بالتحديات، خاصة في ظل تنامي مطالب المواطنين بتجديد النخب وتحقيق نتائج ملموسة في مجالات التنمية والخدمات العمومية والعدالة الاجتماعية.
وإذا كان الاحتفاظ ببعض التجارب والخبرات السابقة قد يكون مبرراً في حالات معينة، فإن نجاح هذا التوجه يقتضي إخضاع الأداء لتقييم موضوعي، على المستويين الفردي والحزبي، وربط المسؤولية بالمحاسبة، مع اعتماد آليات فعالة للتتبع والمراقبة، والتدخل المبكر عند ظهور مؤشرات واضحة على التعثر أو غياب الجدية.
فلا يمكن لأي تجربة حكومية أن تستعيد ثقة المواطنين بمجرد تغيير الشعارات أو إعادة ترتيب المواقع، ما لم يلمس المواطن أثراً ملموساً للسياسات العمومية في حياته اليومية، وما لم تصبح النتائج معياراً أساسياً لتقييم المسؤولين واستمرارهم في مناصبهم.
الرهان على الكفاءة والفعالية
إن استمرار شخصيات لا تحظى بثقة قطاعات من الرأي العام داخل الحكومة قد يضعف فرص التجديد، ويؤدي إلى هدر الوقت والفرص التي تتيحها المرحلة الجديدة. فالدولة التي تتطلع إلى تسريع وتيرة التنمية تحتاج إلى مسؤولين قادرين على اتخاذ المبادرات، وتحمل المسؤولية، وتجاوز الحسابات الضيقة، والانخراط في معالجة الملفات الوطنية الكبرى.
وفي نهاية المطاف، لا يتعلق الأمر بالتجديد من أجل التجديد، ولا بإقصاء الوجوه القديمة لمجرد قدم تجربتها، بل بضرورة إرساء معيار واضح للاختيار يقوم على الكفاءة والنزاهة والقدرة على الإنجاز، مع ضمان المحاسبة وربط المسؤولية بالنتائج.
فهل تنجح الحكومة المقبلة في إحداث قطيعة مع أساليب التدبير التي أضعفت ثقة المواطنين، أم أن إعادة الاعتماد على الوجوه نفسها ستجعل التغيير مجرد عنوان جديد لممارسات قديمة؟