جريدة

واشنطن بعد انتصار الديمقراطيين.. هل تتغير حسابات العالم العربي؟

لم تكن انتخابات التجديد النصفي الأميركية، التي جرت في الثالث من نونبر 2026، مجرد استحقاق انتخابي عادي بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي، بل حملت نتائجها تحولاً سياسياً بارزاً داخل الولايات المتحدة، بعدما تمكن الديمقراطيون من انتزاع الأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ، في تطور يمثل خسارة سياسية لمعسكر الرئيس دونالد ترامب.

ورغم أن هذه النتائج لم تؤدِّ إلى تغيير الإدارة الموجودة في البيت الأبيض، الذي لا يزال تحت قيادة ترامب، فإنها تضع السنوات المتبقية من ولايته أمام معادلات سياسية وتشريعية مختلفة، خصوصاً في ظل انتقال الأغلبية داخل المؤسسة التشريعية إلى الحزب الديمقراطي.

فسيطرة الديمقراطيين على المجلسين تمنحهم صلاحيات أوسع لمراقبة أداء الإدارة الأميركية، وفتح التحقيقات، ومناقشة قراراتها، وممارسة الرقابة على السياسات الحكومية، فضلاً عن إمكانية عرقلة بعض المشاريع وفرض مفاوضات أكثر تعقيداً على البيت الأبيض.

غير أن أهمية هذا التحول لا تقتصر على مستقبل العلاقة بين الرئيس والكونغرس، بل تمتد إلى انعكاساته المحتملة على السياسة الخارجية الأميركية، وخاصة تجاه العالم العربي، الذي ترتبط قضاياه بحسابات واشنطن الأمنية والاقتصادية والاستراتيجية.

ومن هذا المنطلق، يبرز تساؤل أساسي: هل ستؤدي التحولات السياسية داخل الكونغرس الأميركي إلى إعادة ترتيب أولويات الولايات المتحدة في المنطقة العربية، أم أن المصالح الاستراتيجية ستظل المحدد الرئيسي لطبيعة العلاقات؟

فلسطين وإسرائيل.. هل تتسع مساحة مراجعة السياسة الأميركية؟

يأتي الملف الفلسطيني في مقدمة القضايا التي يُنتظر أن تحظى بمتابعة واسعة في ضوء التحول الجديد داخل الكونغرس الأميركي.

فقد شهد الحزب الديمقراطي خلال السنوات الأخيرة تباينات واضحة بشأن طبيعة العلاقة مع إسرائيل، مع تصاعد أصوات داخله تطالب بمراجعة الدعم العسكري الأميركي، وتنتقد طريقة تدبير الحرب في قطاع غزة، وتدعو إلى ربط المساعدات العسكرية بمدى احترام القوانين والالتزامات الدولية.

ومن شأن الأغلبية الديمقراطية الجديدة أن تمنح هذه التوجهات مجالاً أوسع للتعبير داخل المؤسسات التشريعية، سواء من خلال جلسات الاستماع والمناقشات البرلمانية، أو عبر مساءلة الإدارة بشأن المساعدات العسكرية وصفقات الأسلحة الموجهة إلى إسرائيل.

ومع ذلك، لا يعني هذا التحول بالضرورة حدوث تغيير جذري في طبيعة التحالف الاستراتيجي بين واشنطن وتل أبيب، بالنظر إلى أن العلاقات بين البلدين تستند إلى اعتبارات أمنية وسياسية ومؤسساتية تتجاوز التوجهات الحزبية والاختلافات بين الإدارات المتعاقبة.

وبالتالي، فإن أي تحول محتمل في هذا الملف قد يظهر أولاً على مستوى النقاش السياسي والرقابة التشريعية وشروط تقديم الدعم، وليس بالضرورة من خلال مراجعة شاملة للموقف الأميركي من إسرائيل والقضية الفلسطينية.

إيران والخليج.. حسابات المواجهة ومقتضيات الاستقرار

يشكل الملف الإيراني بدوره أحد أبرز الاختبارات التي ستواجه التوازن السياسي الجديد داخل واشنطن، بالنظر إلى تداعياته المباشرة على أمن المنطقة واستقرارها.

فأي تصعيد عسكري بين الولايات المتحدة وإيران لن تقتصر انعكاساته على الطرفين، بل قد تمتد إلى منطقة الخليج والعراق ولبنان واليمن، فضلاً عن تأثيراته المحتملة على أسواق الطاقة والتجارة الدولية وأمن الممرات البحرية.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية الدور الرقابي للكونغرس، خاصة فيما يتعلق بالإنفاق العسكري وصلاحيات استخدام القوة والقرارات التي يمكن أن تدفع المنطقة نحو مواجهة إقليمية أوسع.

أما دول الخليج، فستظل مطالبة بالموازنة بين الحفاظ على علاقاتها الأمنية والاستراتيجية مع واشنطن، وتجنب الانخراط في صراعات إقليمية مفتوحة قد تهدد استقرارها ومصالحها الاقتصادية.

ومن المهم الإشارة إلى أن الحزب الديمقراطي لا يتبنى موقفاً موحداً بشأن إيران، إذ تتباين مواقف أعضائه حول العقوبات الاقتصادية والبرنامج النووي الإيراني وأمن إسرائيل وطبيعة العلاقات مع دول الخليج.

وهو ما يجعل اتجاه السياسة الأميركية المقبلة مرتبطاً بالتوازنات داخل الحزبين، وبطبيعة التفاهمات بين الكونغرس والإدارة التنفيذية.

الحلفاء العرب.. المصالح الاستراتيجية مستمرة وأساليب التعامل قد تتغير

بالنسبة إلى دول عربية مثل مصر والأردن والسعودية، لا تبدو نتائج انتخابات التجديد النصفي وحدها كافية لإحداث تحول جذري في طبيعة العلاقات مع الولايات المتحدة.

فالتعاون الأمني والعسكري، والمصالح الاقتصادية، وملفات الطاقة، والاستقرار الإقليمي، تظل من المحددات الرئيسية التي تؤطر العلاقات الأميركية مع هذه الدول.

غير أن انتقال الأغلبية داخل الكونغرس إلى الديمقراطيين قد يعزز حضور ملفات حقوق الإنسان والمساعدات العسكرية والرقابة على صفقات التسلح ضمن النقاشات التشريعية الأميركية.

وقد تجد بعض الحكومات العربية نفسها أمام مؤسسة تشريعية أكثر اهتماماً بمساءلة الإدارة بشأن علاقاتها الخارجية، حتى في ظل استمرار المصالح الاستراتيجية التي تربط واشنطن بحلفائها في المنطقة.

وبذلك، قد لا يكون التغيير في جوهر العلاقات بقدر ما يتعلق بأساليب إدارتها ومستوى الرقابة السياسية والمؤسساتية المصاحبة لها.

المغرب العربي.. ثلاثة بلدان وثلاثة حسابات استراتيجية

تكتسب التحولات السياسية الأميركية أهمية خاصة بالنسبة إلى منطقة المغرب العربي، بالنظر إلى اختلاف طبيعة العلاقات والمصالح التي تربط الولايات المتحدة بكل من المغرب والجزائر وتونس.

المغرب.. علاقات استراتيجية وملفات إقليمية

يرتبط المغرب بالولايات المتحدة بعلاقات سياسية وأمنية واقتصادية، تشمل مجالات التعاون العسكري والتبادل التجاري والتنسيق بشأن القضايا الإقليمية والدولية.

ويظل ملف الصحراء المغربية أحد أبرز محاور العلاقات بين الرباط وواشنطن، ما يجعل أي نقاش داخل المؤسسات الأميركية بشأن السياسة الخارجية محل اهتمام ومتابعة مغربية.

وفي هذا الإطار، تبرز ضرورة التمييز بين ثبات المصالح الاستراتيجية الأميركية من جهة، والنقاشات السياسية والتشريعية التي قد يفتحها الكونغرس حول بعض الملفات الخارجية من جهة أخرى.

الجزائر.. توازنات العلاقات الدولية

أما الجزائر، فتتحرك ضمن شبكة معقدة من العلاقات الدولية التي تجمعها بروسيا والصين والولايات المتحدة والدول الأوروبية، مع احتفاظها بعلاقات عسكرية مهمة مع موسكو.

ومن هذا المنطلق، فإن أي تغير في طبيعة العلاقات الأميركية الروسية أو في التوجهات الاستراتيجية لواشنطن قد تكون له انعكاسات على حسابات الجزائر الإقليمية والدولية، خصوصاً في ظل التنافس الدولي على النفوذ في مناطق متعددة.

تونس.. البحث عن فرص دبلوماسية واقتصادية

وتواجه تونس معادلة مختلفة، بالنظر إلى طبيعة إمكاناتها الاقتصادية والعسكرية وموقعها في العلاقات الدولية.

وتظل حاجتها إلى تنويع شراكاتها الخارجية وتوسيع فرص التعاون والاستثمار والدعم الاقتصادي من أبرز الأولويات المطروحة أمامها.

وهنا يبرز تساؤل بشأن مدى قدرة الدبلوماسية التونسية على استثمار التحولات الدولية الراهنة لتحسين موقع البلاد اقتصادياً وسياسياً، بدلاً من الاكتفاء بالتفاعل مع التطورات الخارجية وانتظار انعكاساتها.

العالم العربي أمام اختبار المبادرة

لعل أبرز ما تكشفه نتائج الانتخابات الأميركية هو أن العالم العربي لا يمكنه بناء حساباته الاستراتيجية على هوية الحزب الذي يسيطر على واشنطن وحدها.

فالمصالح الأميركية في المنطقة تتسم بقدر من الاستمرارية، حتى وإن اختلفت أساليب إدارتها بين الإدارات الجمهورية والديمقراطية، وهو ما يفرض على الدول العربية تحديد أولوياتها وصياغة مواقفها انطلاقاً من مصالحها الخاصة.

وقد تفتح الانقسامات السياسية داخل الولايات المتحدة مساحات جديدة للنقاش والتفاوض بشأن عدد من القضايا العربية، لكنها لا تعني بالضرورة تحقيق مكاسب تلقائية للمنطقة.

فقضايا فلسطين والأمن الإقليمي والطاقة والعلاقات الدولية تحتاج إلى رؤية استراتيجية واضحة، وقدرة على التحرك الدبلوماسي المشترك، فضلاً عن بناء مواقف قادرة على التأثير في مراكز صنع القرار الدولي.

لقد تمكن الديمقراطيون من تحقيق الأغلبية في مجلسي الكونغرس، لكنهم لم يستعيدوا البيت الأبيض، كما أن المصالح الأميركية لم تتغير بمجرد إعلان نتائج الانتخابات.

ومع ذلك، فإن واشنطن تدخل مرحلة سياسية جديدة عنوانها الأبرز احتمال اتساع الخلاف بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، وما قد يترتب عن ذلك من نقاشات ومراجعات في عدد من الملفات الداخلية والخارجية.

ويبقى السؤال المطروح أمام العالم العربي: هل سيكتفي بمتابعة التنافس السياسي داخل الولايات المتحدة وانتظار انعكاساته على مصالحه، أم سيتمكن من تحويل التحولات الدولية إلى فرصة لإعادة ترتيب أولوياته وتعزيز حضوره الدبلوماسي وبناء موقع أكثر تأثيراً في محيطه الإقليمي والدولي؟

ففي العلاقات الدولية، لا تصنع التحولات التي تحدث لدى الآخرين فرصاً جديدة بشكل تلقائي، بل تتطلب رؤية واضحة وإرادة سياسية وقدرة على استثمار المتغيرات بما يخدم المصالح الوطنية والإقليمية.