لم تعد مظاهر الفوضى والتراجع التي تعيشها مدينة الجديدة مجرد اختلالات ظرفية أو هفوات تدبيرية عابرة، بل تحولت إلى أزمة حقيقية متعددة الأبعاد تعكس انهيارًا مقلقًا في تدبير الشأن المحلي وعجزًا واضحًا عن مواكبة انتظارات الساكنة، في ظل غياب النجاعة الإدارية وتراجع سلطة القانون وارتباك واضح في تدبير الملفات الكبرى التي تهم مستقبل المدينة وتنميتها.
فالواقع الذي تعيشه الجديدة اليوم يكشف عن فراغ تدبيري خطير تتحمل مسؤوليته رئاسة جماعة الجديدة ومكتبها المسير، بعد أن تحولت الجماعة إلى فضاء لتدبير يومي مرتبك يفتقد للرؤية الاستراتيجية والجرأة السياسية والقدرة على تتبع الأوراش والمشاريع، في وقت تتزايد فيه معاناة المواطنين وتتعاظم مظاهر التسيب والإهمال.
لقد أصبحت مشاريع كبرى كلفت ميزانيات ضخمة عنوانًا صارخًا للفشل والتعثر، وعلى رأسها مشروع تهيئة كورنيش وشاطئ الجديدة، الذي كان من المفترض أن يشكل واجهة سياحية وحضارية للمدينة، قبل أن يتحول إلى ورش مفتوح بلا روح يثير الكثير من علامات الاستفهام حول جودة الأشغال وتأخر الإنجاز وحقيقة تتبع المشروع ومراقبته، في ظل غياب أي تواصل مسؤول مع الساكنة حول مآل هذا الورش الذي استنزف أموالًا عمومية كبيرة دون أن يحقق القيمة المضافة المنتظرة.
الأمر نفسه ينطبق على حديقة محمد الخامس التي تحولت بدورها إلى نموذج صارخ للتعثر وسوء التدبير بعدما ظلت الأشغال بها تراوح مكانها عدة شهور رغم الغلاف المالي الكبير الذي خصص لها، في مشهد يعكس غياب الحكامة والرقابة وربط المسؤولية بالمحاسبة، ويطرح تساؤلات مشروعة حول مدى احترام دفاتر التحملات وجودة الإنجاز وتتبع الصفقات العمومية
أما مهزلة تصميم التهيئة فقد شكلت واحدة من أخطر المحطات التي كشفت حجم العبث الذي يهدد مستقبل المدينة العمراني، فكيف يمكن تمرير وثيقة استراتيجية تحدد مصير المجال الحضري لسنوات طويلة رغم رفضها من طرف أغلبية أعضاء المجلس الجماعي خلال دورتين استثنائيتين؟ وكيف تم تجاوز الإرادة السياسية والتمثيلية للمنتخبين بهذه الطريقة التي أثارت غضبًا واسعًا داخل الأوساط المدنية والسياسية؟
إن ما رافق هذا الملف من حديث متزايد عن تدخل لوبيات عقارية نافذة وتحكم مصالح مالية ضيقة في توجيه وثيقة التعمير وسط صمت مريب من بعض المسؤولين المرتبطين بقطاع التعمير، يفرض فتح نقاش عمومي شفاف ومسؤول حول حقيقة ما جرى، وحول الجهات التي استفادت من إعادة توجيه المجال العمراني للمدينة بما يخدم المضاربة العقارية على حساب المصلحة العامة وحق الساكنة في مدينة متوازنة وعادلة
وفي السياق نفسه تتزايد التساؤلات حول عدد من الصفقات العمومية التي مرت بمبالغ مالية ضخمة دون أن تنعكس على جودة البنيات التحتية أو تحسين الخدمات الأساسية، حيث تعاني عدة أحياء من هشاشة الطرقات وضعف الإنارة وتردي المساحات الخضراء واختلالات واضحة في الأشغال العمومية، وهو ما يعزز شعور المواطنين بأن المال العام لا يترجم إلى تنمية حقيقية على أرض الواقع.
الأخطر من ذلك أن عددًا من الملفات والقضايا القانونية الرائجة أمام القضاء والإدارات الرقابية المرتبطة بالتعمير والتدبير المحلي والصفقات وبعض الاختلالات الإدارية، باتت تلقي بظلال ثقيلة على صورة المدينة ومؤسساتها، وتطرح بإلحاح ضرورة تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة وعدم الإفلات من المساءلة مهما كانت المواقع أو المسؤوليات.
وفي مقابل هذا الوضع المقلق تعيش العديد من المصالح الجماعية حالة شبه شلل إداري، حيث تتعطل مصالح المواطنين وتتراكم الملفات والشكايات دون أجوبة، وتغيب السرعة والفعالية في معالجة قضايا المرتفقين بما يضرب في العمق صورة الإدارة العمومية ومبدأ استمرارية المرفق العام.
كما تحولت الأرصفة والملك العمومي في عدد من المناطق إلى فضاءات محتلة بشكل عشوائي سواء من طرف بعض الأنشطة التجارية أو مواد البناء، في غياب تدخلات صارمة لتحرير الملك العمومي وفرض احترام القانون، بينما تستمر فوضى السير والجولان والتوقفات العشوائية واحتلال الشوارع الرئيسية دون أي معالجة ميدانية حقيقية.
وأمام هذا الوضع فإن عامل إقليم الجديدة مطالب اليوم أكثر من أي وقت مضى بتفعيل صلاحياته الدستورية والقانونية كاملة باعتباره ممثلًا للسلطة المركزية والساهر على احترام القانون وضمان السير العادي للمؤسسات وحماية النظام العام بمختلف أبعاده.
فالمرحلة الحالية لم تعد تحتمل منطق تدبير الانتظار أو الاجتماعات الشكلية، بل تستوجب نزولًا ميدانيًا حقيقيًا وفتح ملفات المشاريع المتعثرة وإخضاع الصفقات العمومية للمراقبة والتقييم والاستماع إلى نبض الساكنة والفعاليات المدنية وتفعيل آليات المحاسبة وربط المسؤولية بالنتائج.
إن الجديدة بتاريخها ومكانتها وإمكاناتها الاقتصادية والسياحية والبشرية لا تستحق هذا الوضع المؤلم، ولا يليق بها أن تتحول إلى مدينة تتناسل فيها الأزمات والمشاريع المتعثرة والصراعات العقارية والإدارية، في وقت تنتظر فيه الساكنة مشروعًا تنمويًا حقيقيًا يعيد الاعتبار للمدينة ويحفظ كرامة المواطنين ويكرس دولة القانون والمؤسسات.
فالرهان اليوم ليس فقط إصلاح الأرصفة والطرقات أو إنهاء بعض الأوراش، بل إعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات وترسيخ حكامة حقيقية تجعل القانون فوق الجميع وتضع المصلحة العامة فوق الحسابات