جريدة

الجديدة بين فوضى الأكشاك وصمت المسؤولين: متى يُفعل القانون؟

مصطفى القرفي

تشهد مدينة الجديدة في الآونة الأخيرة وضعًا مقلقًا يتعلق بتدبير الملك العمومي، في ظل انتشار متزايد للأكشاك العشوائية التي باتت تفرض نفسها على المشهد الحضري بشكل يثير الكثير من التساؤلات. هذه الظاهرة، التي بدأت في إطار تراخيص مؤقتة واستثنائية، تحوّلت مع مرور الزمن إلى واقع دائم، في غياب مبررات قانونية واضحة تبرر استمرارها.
ففي عدد من شوارع وساحات المدينة، تنتشر هذه الأكشاك بشكل لافت، مستحوذة على الملك العمومي دون احترام الضوابط التنظيمية، ما ينعكس سلبًا على جمالية الفضاء الحضري وعلى حقوق الساكنة في بيئة منظمة وآمنة. والأكثر إثارة للقلق هو أن العديد من هذه التراخيص المؤقتة تجاوزت مدتها القانونية، إذ استمرت في بعض الحالات لأكثر من عشر سنوات، في خرق واضح للقوانين الجاري بها العمل.
القانون المنظم لاحتلال الملك العمومي واضح في هذا الصدد، حيث يشترط الحصول على ترخيص محدد المدة، مع الالتزام بأداء الرسوم المستحقة واحترام الشروط المحددة. غير أن الواقع يكشف عن اختلالات كبيرة، من بينها عدم أداء عدد من المستغلين للواجبات المالية المترتبة عليهم، ما يشكل خسارة مباشرة لموارد الجماعة ويؤثر على إمكانياتها في تمويل مشاريع التنمية المحلية.
في المقابل، يطرح هذا الوضع علامات استفهام حول دور الجهات المختصة في المراقبة والتتبع، ومدى تفعيل المساطر القانونية في حق المخالفين. كما يثير تساؤلات حول أسباب هذا الصمت، وما إذا كان الأمر يتعلق بتقصير إداري أم بوجود مصالح تستفيد من استمرار هذا الوضع.
ويأتي هذا في وقت تؤكد فيه التوجيهات الدستورية والرسمية على ضرورة ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتعزيز الشفافية، ومحاربة كل أشكال الريع واستغلال النفوذ. كما شددت دوريات وزارة الداخلية مرارًا على ضرورة تنظيم استغلال الملك العمومي وتحريره من كل احتلال غير قانوني.
أمام هذا الوضع، يرى متتبعون أن المرحلة تقتضي تدخلًا حازمًا وشاملًا، يبدأ بإجراء جرد دقيق لكل الأكشاك والتراخيص المرتبطة بها، مرورًا بإلغاء التراخيص المنتهية أو غير القانونية، واستخلاص المستحقات المالية المتأخرة، وصولًا إلى إزالة كل احتلال غير مشروع للملك العمومي، مع ترتيب المسؤوليات الإدارية والقانونية في حق كل من ثبت تقصيره.
إن مدينة الجديدة، بما لها من مكانة وتاريخ، تستحق فضاءً حضريًا منظمًا يعكس طموحات ساكنتها ويصون كرامتهم. أما استمرار الوضع الحالي، فلا يمكن اعتباره سوى مؤشرًا على خلل في التدبير، يتطلب معالجة عاجلة تعيد الاعتبار للقانون وتكرّس الثقة في المؤسسات.