جريدة

الجديدة: حين يغتال التهميش مدينة الثروات والتاريخ

بقلم: القرفي مصطفى – مراسل ميديا 24

بين أمواج الأطلسي التي تعانق أسوارها البرتغالية، وحقول دكالة التي تطوقها من كل جانب، تتمدد مدينة الجديدة على مفارقة موجعة: مدينة تختزن تحت ترابها وفوقه كل أسباب الغنى، لكنها تُدفع عنوة نحو هوامش الفقر والإقصاء.

1. الجرف الأصفر: جار ثري لمدينة فقيرة
لا يمكن الحديث عن الجديدة دون المرور عبر المركب الصناعي الجرف الأصفر. أكبر منصة للفوسفاط والكيماويات في إفريقيا، ومصدر رئيسي للعملة الصعبة. لكن المعادلة مقلوبة هنا. المداخن التي ترسم سماء الجديدة بالرماد لا تعيد للمدينة سوى التلوث والبطالة. شباب الإقليم يشاهدون قوافل الشاحنات المحملة بالفوسفاط تمر يومياً، بينما هم عالقون في مقاهي البطالة. المفارقة الصارخة أن أكبر مجمع صناعي في المغرب لم ينجح في خلق نسيج اقتصادي مندمج يعود بالنفع المباشر على الساكنة المحلية.

2. تراث عالمي يتهاوى أمام صمت المسؤولين
القلعة البرتغالية، المصنفة تراثاً إنسانياً من طرف اليونسكو منذ 2004، تقدم اليوم نموذجاً حياً للإهمال. الأسوار التاريخية تتآكل، ودور المدينة العتيقة آيلة للسقوط فوق رؤوس قاطنيها، والأزقة غارقة في النفايات. الزائر الذي يبهره الصهريج البرتغالي يصطدم بعد خطوات بمشاهد التهميش. خارج الأسوار، الوضع لا يقل سوءاً: أحياء كاملة تغرق في الظلام، شوارع رئيسية تتحول إلى حفر، ومستشفى إقليمي وحيد يلفظ أنفاسه أمام ضغط ساكنة تتجاوز 220 ألف نسمة. مريض الجديدة مجبر على قطع 100 كيلومتر نحو الدار البيضاء بحثاً عن حق أساسي في العلاج.

3. موت بطيء للثقافة والرياضة
الجديدة التي قدمت للمغرب أسماء وازنة في الفن والرياضة تعيش اليوم جفافاً ثقافياً غير مسبوق. مسرح عفي، ذاكرة المدينة الفنية، مغلق منذ سنوات. فريق الدفاع الحسني الجديدي، أحد أعرق الأندية الوطنية، يصارع البقاء بموارد شحيحة وملعب لا يرقى لتاريخه. الفضاءات الشبابية منعدمة، والكورنيش الذي كان متنفساً للعائلات يتحول ليلاً إلى بؤرة للانحراف بسبب غياب الإنارة والأمن. مدينة بلا ثقافة وبلا رياضة هي مدينة بلا روح.

4. سياحة مع وقف التنفيذ
بشريط ساحلي يمتد من سيدي بوزيد إلى الحوزية، وقلعة فريدة، وموسم مولاي عبد الله أمغار الذي يعد أكبر تجمع للفروسية في المغرب، تملك الجديدة كل مقومات القطب السياحي. لكن الواقع يقول إن المدينة مجرد “محطة عبور”. غياب الفنادق المصنفة، وتهالك البنية التحتية، وانعدام الترويج، كلها عوامل تجعل السائح يغادر بعد ساعات قليلة نحو وجهات أخرى. الجديدة لا تستثمر في كنزها السياحي، بل تتركه للضياع.

أي مستقبل لعاصمة دكالة؟
تهميش الجديدة ليس قضاءً وقدراً، بل نتيجة لتراكم السياسات العمومية الفاشلة وغياب رؤية تنموية مندمجة. المدينة لا تطلب امتيازات، بل تطلب حقها في التنمية العادلة. وهذا يمر عبر أربعة مداخل أساسية:

1. عدالة مجالية ملزمة: فرض نسبة 70% من اليد العاملة المحلية في المركب الصناعي الجرف الأصفر، مع إحداث صندوق للتنمية المحلية ممول من أرباحه.
2. خطة إنقاذ عاجلة للمدينة العتيقة: ترميم شامل للأسوار والمنازل المهددة، وتحويلها إلى قطب سياحي وثقافي حي.
3. تأهيل العرض الصحي: الإسراع ببناء مستشفى جامعي يلبي حاجيات الإقليم ويضع حداً لمعاناة المرضى.
4. إرادة سياسية حقيقية: إدماج الجديدة فعلياً في المشاريع الكبرى، وربطها بشبكة الطرق السيارة والسكك الحديدية الحديثة.

الجديدة اليوم ليست مدينة هامشية بطبيعتها، بل مُهمّشة بفعل فاعل. استمرار هذا الوضع هو اغتيال لتاريخها، ولجغرافيتها، ولإنسانها. وقد آن الأوان لإنصاف عروس دكالة قبل أن تتحول إلى أطلال يزورها المؤرخون فقط.