المغرب يعزز مكانته الاقتصادية عالمياً رغم التحديات الداخلية والتوتر مع الجزائر
يسعى المغرب إلى ترسيخ موقعه الاقتصادي والاستراتيجي على الصعيد الدولي، مستفيداً من تنويع شراكاته الخارجية، وتطوير بنياته التحتية، واستقطاب الاستثمارات الأجنبية، في ظل التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي. غير أن هذا المسار يظل مرتبطاً بقدرته على معالجة التحديات الاجتماعية والتعليمية، فضلاً عن انعكاسات التوتر المستمر مع الجزائر على فرص التعاون الإقليمي.
ووفق تحليل للعلاقات الاقتصادية والدولية، نجح المغرب خلال السنوات الأخيرة في تعزيز حضوره ضمن سلاسل الإنتاج والتجارة العالمية، مستفيداً من موقعه الجغرافي الذي يربط بين إفريقيا وأوروبا، ومن سياسة خارجية تسعى إلى الحفاظ على علاقات متوازنة مع شركاء دوليين متنوعين، من بينهم الصين والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.
العلاقات المغربية الإيطالية.. فرص اقتصادية واعدة
سلط التحليل الضوء على تطور الروابط بين المغرب وإيطاليا، مشيراً إلى أن الجالية المغربية المقيمة في إيطاليا تضم نحو 413 ألف شخص، ما يجعلها من بين أكبر الجاليات الأجنبية في البلاد، إلى جانب الجالية الألبانية.
ويعزز القرب الجغرافي بين البلدين، إلى جانب تنامي الاهتمام السياحي بالمغرب، فرص تطوير التعاون الاقتصادي والتجاري، خاصة في ظل التحولات التي تعرفها العلاقات الدولية وتزايد أهمية الشراكات العابرة للقارات.
كما اعتبر التحليل أن تنويع المغرب لعلاقاته الدولية يمنحه هامشاً أوسع للتحرك وسط التقلبات الجيوسياسية، ويساعده على تعزيز جاذبيته الاستثمارية، مستفيداً من الاستقرار السياسي واستمرارية المؤسسات.
ميناء طنجة المتوسط وصناعة السيارات يدعمان التنافسية
في مجال البنيات التحتية والصناعة، أبرز التحليل الدور الذي يؤديه ميناء طنجة المتوسط في تعزيز موقع المغرب ضمن شبكات النقل والتجارة الدولية، مشيراً إلى أن طاقته الاستيعابية تبلغ، وفق المعطيات الواردة فيه، نحو 12 مليون حاوية سنوياً.
كما أشار إلى مشروع ميناء جديد على الساحل المتوسطي، يُنتظر أن يساهم في توسيع القدرات اللوجستية والصناعية للمملكة، خصوصاً في القطاعات المرتبطة بالنقل والصناعة والطاقة.
وفي قطاع السيارات، أوضح التحليل أن الإنتاج المغربي تجاوز نصف مليون سيارة خلال السنة الماضية، وفق الأرقام التي استند إليها، مسلطاً الضوء على تطور الصناعة الوطنية وقدرتها على استقطاب شركات دولية.
ويمتد هذا التطور، بحسب المصدر نفسه، إلى صناعة الطيران والفضاء، التي أصبحت بدورها من المجالات الصناعية التي تستقطب استثمارات وشركات دولية داخل المغرب.
استثمارات صينية في البطاريات وفرص شغل مرتقبة
وتطرق التحليل إلى الاستثمارات الصينية في صناعة البطاريات الموجهة للسيارات وتخزين الطاقة المتجددة، معتبراً أن هذه المشاريع تستفيد من الموقع الجغرافي للمغرب وشبكة علاقاته التجارية، بما يتيح لها استهداف الأسواق الدولية.
وفي هذا السياق، أشار إلى مشروع صناعي يمتد على مساحة 600 هكتار، وتتجاوز كلفته ستة مليارات يورو، مع توقع توفير نحو 25 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة عند بلوغه طاقته التشغيلية الكاملة، وفق المعطيات التي أوردها التحليل.
وتعكس هذه المشاريع، بحسب المصدر، الرهانات المرتبطة بتطوير الصناعات الجديدة وتعزيز حضور المغرب في سلاسل القيمة العالمية، ولا سيما في مجالات التنقل الكهربائي والطاقات المتجددة.
تحديات اجتماعية وتعليمية أمام استدامة النمو
ورغم المؤشرات المرتبطة بتوسع الاستثمارات وتطور البنيات التحتية، لا تزال المملكة تواجه تحديات داخلية تؤثر في مسار التنمية، من بينها انخفاض متوسط دخل الفرد مقارنة بإيطاليا، واستمرار الفوارق الاجتماعية والمجالية بين المناطق الحضرية والقروية، فضلاً عن الإكراهات التي تواجه قطاعي التعليم والصحة.
وشدد التحليل على أن مواصلة النمو الاقتصادي لا يمكن أن تعتمد على المشاريع الكبرى والاستثمارات الأجنبية وحدها، بل تستلزم أيضاً دعم المقاولات الصغيرة والمتوسطة، وتحديث أساليب اشتغالها، ورفع إنتاجيتها وقدرتها على المنافسة ومواكبة التحولات التكنولوجية.
وفي المقابل، ساهم تطوير البنية التحتية وشبكات النقل في تعزيز جاذبية المغرب الاقتصادية، من خلال توسيع الطرق والسكك الحديدية وتحسين الربط بين المدن الكبرى، بما يدعم حركة الأشخاص والبضائع ويعزز استعداد المملكة لاستقبال الزوار خلال التظاهرات الرياضية الدولية المقبلة.
التوتر المغربي الجزائري يحد من آفاق التعاون الإقليمي
على مستوى العلاقات الدولية، اعتبر التحليل أن التعاون الاقتصادي والسياسي بين المغرب وإيطاليا لا يزال دون الإمكانات المتاحة، رغم المصالح المشتركة والتقارب الجغرافي.
وربط المصدر جانباً من هذا الوضع بالتوتر القائم بين المغرب والجزائر بشأن قضية الصحراء، مشيراً إلى أن اعتماد إيطاليا على الغاز الجزائري، خاصة بعد تراجع الإمدادات الروسية، يجعل مصالحها الطاقية عاملاً مؤثراً في حساباتها الإقليمية.
ويرى التحليل أن هذه المعطيات قد تحد من توسيع التعاون المغربي الإيطالي ليشمل شراكات أكثر شمولاً في بعض المجالات، كما أن استمرار الجمود في العلاقات المغربية الجزائرية يضيق فرص التكامل الاقتصادي بين البلدين، ويؤثر في إمكانات التعاون على المستوى المغاربي.
تسوية الخلافات مدخل لتعزيز التنمية والاستقرار
وخلص التحليل إلى أن التوصل إلى تسوية توافقية للخلافات القائمة بين المغرب والجزائر من شأنه أن يفتح آفاقاً جديدة للتعاون الإقليمي، ويتيح الاستفادة من الإمكانات الاقتصادية والتجارية التي تتوفر عليها المنطقة.
وأكد أن تعزيز التفاهم بين الأطراف المعنية يمكن أن يساهم في دعم الاستقرار وتحقيق مكاسب اقتصادية مشتركة، في وقت يواصل فيه المغرب تطوير بنياته التحتية وتنويع شراكاته الدولية، مع بقاء معالجة التحديات الاجتماعية والتعليمية عاملاً أساسياً لضمان استدامة النمو وتحويل الاستثمارات إلى فرص ملموسة للمواطنين.