صورتان تفصل بينهما 15 عاماً.. هل يتكرر سيناريو العراق؟
أعاد الانسحاب الأميركي من العراق، بعد نحو 15 عاماً من المغادرة الأولى، إلى الواجهة تساؤلات بشأن قدرة بغداد على إدارة المرحلة الجديدة والحفاظ على الاستقرار، في ظل استمرار تحديات أمنية وسياسية وإقليمية معقدة.
ففي ديسمبر 2011، غادر آخر رتل من القوات الأميركية الأراضي العراقية باتجاه الكويت، منهياً وجوداً عسكرياً بدأ عقب الغزو الأميركي للعراق عام 2003، خلال ولاية الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما.
وبعد نحو عقد ونصف، عاد مشهد الانسحاب إلى الواجهة، لكن هذه المرة من قاعدة أربيل الجوية في إقليم كردستان العراق. وأعلنت القيادة المركزية الأميركية، في 30 شتنبر 2026، اكتمال الانسحاب المنظم للقوات والمعدات الأميركية من العراق، وإنهاء مهمة «عملية العزم الصلب» داخل البلاد.
وبحسب المعطيات الأميركية، يندرج هذا الانسحاب ضمن انتقال العلاقات بين واشنطن وبغداد من مهمة عسكرية مباشرة إلى إطار دفاعي ثنائي، فيما انتقلت قيادة قوة المهام المشتركة التابعة للعملية إلى الأردن، مع استمرار المهمة المرتبطة بمكافحة تنظيم «داعش» في سوريا بالتنسيق مع الشركاء الإقليميين.
بين انسحاب 2011 ومغادرة 2026
ورغم التشابه بين مشهدي الانسحاب، فإن الظروف التي تحيط بالعراق اليوم تختلف عن تلك التي أعقبت المغادرة الأميركية الأولى.
فبعد انسحاب 2011، شهد العراق تحولات أمنية متسارعة، كان أبرزها صعود تنظيم «داعش» وسيطرته على مناطق واسعة من البلاد، بما فيها مدينة الموصل عام 2014. وأدى هذا التطور إلى عودة القوات الأميركية إلى العراق ضمن التحالف الدولي لمحاربة التنظيم.
أما في المرحلة الحالية، فتشير القيادة المركزية الأميركية إلى أن القوات الأمنية العراقية راكمت خبرات وقدرات أكبر، وأصبحت تتمتع بدرجة أعلى من الاستقلالية العملياتية في مواجهة التهديدات الأمنية.
وقال قائد القيادة المركزية الأميركية، الأدميرال براد كوبر، إن تنظيم «داعش» لم يعد يشكل، وفق التقييم الأميركي، تهديداً منهجياً للأمن القومي العراقي.
تحديات تتجاوز خطر الإرهاب
ولا يرتبط مستقبل الاستقرار في العراق بالتهديد الإرهابي وحده، إذ تواجه البلاد ملفات أخرى، من بينها مسألة السلاح خارج مؤسسات الدولة، ونفوذ الفصائل المسلحة، إضافة إلى التوازنات السياسية الداخلية والتجاذبات الإقليمية.
وفي المقابل، تؤكد واشنطن أن انتهاء المهمة العسكرية الأميركية داخل العراق لا يعني نهاية التعاون الأمني بين البلدين، وإنما انتقاله إلى صيغة جديدة تقوم على العلاقة الدفاعية الثنائية، بما يشمل أشكالاً من التعاون والتدريب وتبادل المعلومات والدعم الاستخباراتي وفق الترتيبات المتفق عليها.
وبين صورة الرتل الأميركي الذي غادر العراق نحو الكويت في ديسمبر 2011، وصورة القوات الأميركية التي غادرت قاعدة أربيل في شتنبر 2026، تبدو السنوات الخمس عشرة الفاصلة بين المشهدين حافلة بتحولات أمنية وسياسية عميقة.
ويبقى نجاح المرحلة الجديدة مرتبطاً بقدرة المؤسسات العراقية على إدارة الملفات الأمنية والسياسية، والحفاظ على تماسك الدولة، والتعامل مع التحديات الإقليمية، بما يمنع تكرار الظروف التي سمحت سابقاً بظهور فراغات أمنية استغلتها التنظيمات المسلحة.