مالية 2027.. الحكومة تراهن على خفض عجز الميزانية إلى 3% وتعزيز الاستقرار المالي
تضع التوجهات الكبرى لمشروع قانون المالية لسنة 2027 تعزيز الاستقرار المالي والحفاظ على التوازنات الماكرو اقتصادية ضمن أولوياتها، من خلال السعي إلى تقليص عجز الميزانية إلى 3 في المائة من الناتج الداخلي الخام، في إطار توجه يروم ضمان استدامة المالية العمومية ومواصلة تمويل البرامج الاقتصادية والاجتماعية.
ويعكس هذا الهدف أهمية التحكم في عجز الميزانية باعتباره أحد المؤشرات الأساسية لقياس وضعية المالية العمومية، بالنظر إلى ارتباطه بقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها المالية، وتمويل الاستثمارات العمومية، ومواصلة تنفيذ السياسات الرامية إلى دعم النمو وتحسين ظروف عيش المواطنين.
تقليص العجز.. تحدي التوازن بين الموارد والنفقات
يمثل خفض عجز الميزانية تحدياً يتطلب تدبيراً دقيقاً للموارد والنفقات العمومية، بما يضمن تحقيق الانضباط المالي دون المساس بالأولويات الاجتماعية والاقتصادية. فالحفاظ على التوازنات المالية يظل ضرورياً، لكنه يستدعي في المقابل ضمان استمرارية الاستثمار العمومي وتوفير التمويلات اللازمة للقطاعات الحيوية.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية اعتماد مقاربة متوازنة تقوم على ترشيد النفقات، وتحسين تحصيل الموارد، وتعزيز فعالية السياسات المالية، مع الحرص على عدم انعكاس إجراءات ضبط الميزانية سلباً على جودة الخدمات الأساسية أو القدرة الشرائية للأسر.
كما يفرض هذا التوجه مواصلة البحث عن سبل تحسين مردودية الإنفاق العمومي، من خلال توجيه الاعتمادات المالية نحو البرامج والمشاريع ذات الأثر الاقتصادي والاجتماعي المباشر، وربط التمويل بالنتائج المحققة على أرض الواقع.
تحسين الإنفاق العمومي ودعم الاستثمار المنتج
لا يرتبط تحقيق الاستقرار المالي بخفض النفقات وحده، بل يتطلب أيضاً رفع كفاءة تدبير الموارد العمومية وتعزيز حكامة المشاريع، بما يضمن الاستفادة المثلى من الأموال المرصودة للبرامج التنموية.
ويبرز في هذا الإطار دور توسيع القاعدة الاقتصادية، وتشجيع الاستثمار المنتج، وتحسين مناخ الأعمال، باعتبارها عوامل من شأنها دعم النشاط الاقتصادي وتعزيز الموارد المالية للدولة.
كما أن تحفيز المبادرة الاقتصادية وخلق فرص الشغل وتطوير القطاعات المنتجة يمكن أن يسهم في توسيع الوعاء الضريبي، بما يدعم قدرة الميزانية العامة على تمويل السياسات العمومية وتقليص الضغوط المالية على المدى المتوسط والبعيد.
وتظل فعالية هذه التدابير مرتبطة بمدى قدرتها على تحقيق نتائج ملموسة، سواء من حيث تحسين مردودية الإنفاق أو تعزيز الموارد أو دعم النمو الاقتصادي.
المتغيرات الدولية تضاعف تحديات المالية العمومية
تواجه المالية العمومية تحديات مرتبطة بتقلبات الاقتصاد العالمي، وتطور كلفة التمويل، والتغيرات التي قد تطال أسعار المواد الأساسية والموارد المالية، وهي عوامل يمكن أن تؤثر على توازنات الميزانية وحجم النفقات العمومية.
ومن ثم، فإن الحفاظ على مسار مالي مستدام يقتضي مواصلة مراقبة المؤشرات الاقتصادية، وتقييم المخاطر المحتملة، واعتماد تدابير قادرة على التعامل مع المتغيرات الدولية دون الإخلال بالأولويات الوطنية.
كما تبرز أهمية تعزيز قدرة الاقتصاد الوطني على مواجهة الصدمات الخارجية، من خلال تنويع مصادر النمو، وتحسين تنافسية القطاعات الإنتاجية، وتدعيم أسس الاستقرار المالي.
الاستقرار المالي والعدالة الاجتماعية.. معادلة المرحلة المقبلة
إن تقليص عجز الميزانية لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره هدفاً محاسبياً منفصلاً عن باقي السياسات العمومية، بل باعتباره جزءاً من رؤية مالية متكاملة تسعى إلى الجمع بين الاستقرار الاقتصادي وتحفيز النمو والحفاظ على التوازن الاجتماعي.
ويقتضي ذلك تحقيق الانسجام بين متطلبات ضبط المالية العمومية وتمويل القطاعات الاجتماعية، بما يشمل الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية، مع الحرص على توجيه الموارد المتاحة نحو الأولويات الأكثر تأثيراً في حياة المواطنين.
كما يظل تقييم نجاح السياسة المالية مرتبطاً بقدرتها على تحقيق التوازن بين استدامة الموارد العمومية وتحسين الخدمات الأساسية، وتعزيز فرص الاستثمار والشغل، والحفاظ على القدرة الشرائية للأسر.
مالية 2027.. النتائج رهينة بالتدابير والتنفيذ
يبقى بلوغ هدف تقليص عجز الميزانية إلى 3 في المائة من الناتج الداخلي الخام رهيناً بالتدابير التي سيتضمنها مشروع قانون المالية لسنة 2027، وطبيعة الإجراءات المعتمدة لتعبئة الموارد وترشيد النفقات، فضلاً عن مدى تنفيذها وقياس أثرها الاقتصادي والاجتماعي.
وفي انتظار اتضاح التفاصيل النهائية للمشروع، يظل الرهان الأساسي هو ضمان استقرار المالية العمومية دون إضعاف الاستثمار المنتج أو التأثير على البرامج الاجتماعية، بما يعزز قدرة الاقتصاد الوطني على مواجهة التحديات المستقبلية.
فنجاح السياسة المالية لا يُقاس فقط بمستوى العجز المسجل، بل كذلك بمدى مساهمتها في دعم النمو، وتحسين جودة الخدمات العمومية، وتعزيز العدالة الاجتماعية، وضمان استدامة التوازنات المالية على المدى الطويل.