جريدة

إمارة المؤمنين في إفريقيا نحو مرجعية دينية عابرة للحدود

ميديا أونكيت 24

يواصل المغرب، بقيادة الملك محمد السادس، ترسيخ حضوره في العمق الإفريقي من خلال مقاربة تجمع بين البعد الديني والتاريخي والإنساني، في إطار رؤية تعتبر أن الروابط التي تجمع المملكة بالقارة السمراء لا تُختزل في السياسة وحدها، بل تمتد إلى ما هو أعمق: المجال الروحي وبناء المرجعيات الدينية المشتركة.

فإذا كان التاريخ المغربي الإفريقي يشير إلى امتدادات قديمة تعود إلى فترات حكم المرابطين والسعديين، حين كانت بعض الممالك الإفريقية تُعلن ولاءها الديني والسياسي لسلطات المغرب، فإن هذا الإرث لا يُستعاد اليوم بصيغته الإمبراطورية القديمة، بل يُعاد تأويله ضمن سياق حديث يقوم على التعاون المؤسساتي ونقل التجربة الدينية المغربية إلى دول القارة.

وفي هذا الإطار، يشكل الحضور المتزايد لـ“إمارة المؤمنين” في الفضاء الإفريقي أحد أبرز مظاهر هذا التوجه، حيث يتم تقديمها باعتبارها إطاراً دينياً يهدف إلى تعزيز الأمن الروحي ومحاربة التطرف، وترسيخ قيم الاعتدال والتسامح داخل المجتمعات الإفريقية.

وتلعب مؤسسات دينية مغربية دوراً محورياً في هذا المسار، وفي مقدمتها مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة، التي تضم فروعاً متعددة في عدد من الدول الإفريقية، وتعمل على تأطير الحقل الديني وتنسيق الجهود العلمية والفقهية بين العلماء. كما تساهم مؤسسات أخرى في دعم هذا التوجه، مثل مؤسسات تكوين الأئمة والمرشدين، ونشر المصحف الكريم، بما يعكس انتقال التجربة المغربية من الداخل إلى الفضاء الإفريقي في شكل مؤسساتي منظم.

ولا يقتصر هذا الحضور على البعد الديني التقليدي، بل يتجاوز ذلك نحو ما تسميه الرؤية المغربية بـ“المشترك الإنساني”، حيث يتم ربط العمل الديني بقضايا التنمية والاستقرار الاجتماعي، وبمواجهة التحديات التي تفرزها النزاعات الفكرية والدينية في عدد من دول القارة.

وفي هذا السياق، يتم التأكيد على أن إمارة المؤمنين لم تعد مجرد إطار للقيادة الدينية داخل المغرب، بل أصبحت، وفق هذا التصور، أداة لتقاسم التجربة الدينية وبناء نموذج يربط بين الشرعية الدينية ومتطلبات التنمية والتعايش.

كما يشير هذا التوجه إلى تحول في طبيعة الحضور المغربي بإفريقيا، من دعم تقليدي يقوم على المساعدات أو العلاقات الروحية الرمزية، إلى نموذج أكثر مؤسساتية يقوم على التأطير والتكوين وتبادل الخبرات، مع حضور متزايد في دول ناطقة بلغات وثقافات مختلفة داخل القارة.

ويرى هذا التصور أن الرهان المغربي في إفريقيا لم يعد محصوراً في النفوذ السياسي أو الاقتصادي، بل أصبح يمتد إلى بناء “مرجعية دينية حضارية” تسعى إلى الإسهام في إعادة تشكيل الفضاء الروحي الإفريقي، في سياق عالمي يتسم بتصاعد التوترات الفكرية والدينية.

وبينما تتعدد نماذج الفاعلين الإقليميين في إفريقيا، يبقى الطرح المغربي، وفق هذا التوجه، قائماً على الجمع بين البعد الديني والتنموي والإنساني، في محاولة لتقديم نموذج يعتبر أن الاستقرار لا ينفصل عن بناء مشترك روحي وثقافي قادر على مواجهة التطرف وتعزيز قيم العيش المشترك.