جريدة

ثورة البشرات ملحمة الموريسكيين الأخيرة

عثمان الجيلان

تعد ثورة البشرات من أبرز المحطات في تاريخ الأندلس بعد سقوط مملكة غرناطة سنة 1492، إذ مثلت آخر محاولة منظمة للموريسكيين للدفاع عن هويتهم الدينية والثقافية في مواجهة سياسات التذويب القسري التي انتهجتها الملكية الإسبانية. ولم تكن هذه الثورة مجرد تمرد محلي، بل جاءت نتيجة تراكم عقود من الاضطهاد الديني، والقمع الثقافي، والتمييز الاجتماعي الذي تعرض له المسلمون الذين بقوا في إسبانيا بعد نهاية الحكم الإسلامي.

واستمرت الثورة من أواخر سنة 1568 إلى سنة 1571، وشهدت مواجهات عنيفة بين الموريسكيين والجيش الإسباني، قبل أن تنتهي بهزيمة الثوار وبدء مرحلة جديدة من التهجير والتفكيك الاجتماعي، انتهت بطرد الموريسكيين نهائيًا من إسبانيا بين عامي 1609 و1614.
في الثاني من يناير سنة 1492، سلّم السلطان محمد الثاني عشر، المعروف في المصادر الإسبانية باسم “أبو عبد الله الصغير”، مفاتيح مدينة غرناطة إلى الملكين الكاثوليكيين فرناندو الثاني وإيزابيلا الأولى، منهياً بذلك أكثر من سبعة قرون من الحكم الإسلامي في شبه الجزيرة الإيبيرية.

وضمنت معاهدة تسليم غرناطة للمسلمين حرية العقيدة، والمحافظة على المساجد، واستعمال اللغة العربية، وإدارة شؤونهم وفق الشريعة الإسلامية. غير أن السلطات الإسبانية سرعان ما تراجعت عن تلك الالتزامات، خاصة بعد تعيين الكاردينال فرانثيسكو خيمينيث دي سيسنيروس، الذي قاد حملة واسعة لتنصير المسلمين بالقوة.

وبحلول سنة 1502، صدر مرسوم يقضي بإجبار المسلمين في مملكة قشتالة على اعتناق المسيحية أو مغادرة البلاد، وهو الخيار الذي لم يكن متاحًا عمليًا لغالبية السكان، فتحولوا رسميًا إلى المسيحية، بينما استمر كثير منهم في ممارسة الإسلام سرًا.

يطلق مصطلح “الموريسكيون” على المسلمين الذين اعتنقوا المسيحية قسرًا في إسبانيا بعد سقوط الأندلس.

ورغم تحولهم الشكلي إلى المسيحية، فإنهم حافظوا على جانب كبير من هويتهم الإسلامية، فاستمروا في التحدث باللغة العربية قراءة القرآن سرًا تعليم أبنائهم مبادئ الإسلام داخل المنازل إقامة الصلوات بعيدًا عن أعين السلطات والاحتفاظ بالعادات الاجتماعية واللباس التقليدي ممارسة الختان وإحياء المناسبات الإسلامية بصورة سرية.

ولهذا السبب، بقيت السلطات الإسبانية تنظر إليهم باعتبارهم “مسيحيين جدد” لا يُوثق بولائهم للدولة.
خلال النصف الأول من القرن السادس عشر، تصاعدت الضغوط على الموريسكيين، خاصة مع نشاط محاكم التفتيش، التي أصبحت تراقب تفاصيل حياتهم اليومية.
وفي سنة 1567 أصدر الملك فيليب الثاني مرسومًا ملكيًا اعتبره المؤرخون الشرارة المباشرة للثورة، إذ نص على:
منع استعمال اللغة العربية نهائيا إحراق الكتب والمخطوطات العربية منع ارتداء اللباس التقليدي حظر الأغاني والرقصات الأندلسية منع الحمامات العامة إجبار الأطفال على تعلم القشتالية إخضاع المنازل لتفتيش دوري.
ورأت السلطات أن هذه الإجراءات ضرورية لاستكمال “تنصير” الموريسكيين، بينما اعتبرها هؤلاء محاولة لمحو شخصيتهم الحضارية.
في ليلة عيد الميلاد سنة 1568، اجتمع زعماء الموريسكيين في جبال البشرات وأعلنوا الثورة.

واختير محمد بن أمية قائدًا عامًا، وهو أحد أحفاد الأسرة الأموية التي حكمت الأندلس، وبايعه الثوار ملكًا على غرناطة، في خطوة هدفت إلى استعادة الشرعية التاريخية للحكم الإسلامي وسرعان ما انتشرت الثورة في القرى الجبلية جنوب غرناطة، حيث انضم آلاف الموريسكيين إلى المقاومة.

تقع منطقة البشرات بين جبال سييرا نيفادا والبحر الأبيض المتوسط، وتمتاز بارتفاعاتها الكبيرة، وأوديتها العميقة، ومسالكها الوعرة.

وقد وفرت هذه الطبيعة الجبلية ملاذًا طبيعيًا للمقاومين، الذين اعتمدوا على:
الكمائن الهجمات الليلية و قطع طرق الإمداد بالإظافة الاختباء داخل الكهوف والوديان
وقد أرهقت هذه الأساليب الجيش الإسباني خلال الأشهر الأولى من الثورة.

حقق الموريسكيون عدة انتصارات محلية، وسيطروا على قرى واسعة، وألحقوا خسائر بالقوات الإسبانية لكن الخلافات الداخلية أدت إلى اغتيال محمد بن أمية سنة 1569.

تولى عبد الله بن عبو القيادة، واستطاع إعادة تنظيم المقاومة نفي المقابل، قرر الملك فيليب الثاني إرسال جيش كبير بقيادة دون خوان النمساوي، أحد أبرز القادة العسكريين في أوروبا آنذاك واعتمد الجيش الإسباني سياسة الأرض المحروقة، فقام بتدمير القرى وإحراق المحاصيل وتهجير السكان.

بحلول سنة 1571 كانت معظم معاقل الثورة قد سقطت، وانتهت المقاومة بعد مقتل عبد الله بن عبو نتيجة خيانة بعض المقربين منه.
كان الموريسكيون يأملون في الحصول على دعم من الدولة العثمانية، التي كانت في أوج قوتها البحرية بقيادة السلطان سليم الثاني.

كما حاولوا التواصل مع إيالة الجزائر التابعة للدولة العثمانية، ومع الدولة السعدية في المغرب.

إلا أن هذا الدعم ظل محدودًا بسبب انشغال العثمانيين بصراعاتهم في شرق البحر المتوسط، وخاصة الحرب مع البندقية التي انتهت بمعركة ليبانتو سنة 1571، إضافة إلى التعقيدات السياسية والعسكرية التي حالت دون إرسال قوة كبيرة إلى جنوب إسبانيا.

واقتصر الدعم في معظمه على إرسال بعض الأسلحة والذخائر، ومشاركة عدد محدود من المتطوعين، وهو ما لم يكن كافيًا لتغيير ميزان القوى.

أسفرت الثورة عن نتائج كارثية بالنسبة للموريسكيين، أبرزها مقتل عشرات الآلاف خلال المعارك أو نتيجة المجاعة والأوبئة وتدمير مئات القرى في منطقة البشرات تهجير ما يقارب 80 ألف موريسكي من غرناطة إلى مناطق متفرقة داخل إسبانيا.
مصادرة الأراضي والممتلكات.
إعادة توطين مستوطنين مسيحيين في المناطق التي أخليت تشديد رقابة محاكم التفتيش على من بقي من الموريسكيين.

لم تُنهِ هزيمة الثورة الشكوك الإسبانية تجاه الموريسكيين، بل عززت الاعتقاد بأنهم يمثلون خطرًا داخليًا قد يتحالف مع القوى الإسلامية في البحر المتوسط.

وفي سنة 1609، أصدر الملك فيليب الثالث قرارا بطرد جميع الموريسكيين من إسبانيا، واستمرت عمليات الترحيل حتى سنة 1614.

ويُقدّر عدد الذين طُردوا بما بين 275 ألفا و300 ألف شخص، توزعوا بين المغرب والجزائر وتونس، كما استقر بعضهم في الدولة العثمانية، حاملين معهم تراث الأندلس ولغتها وصناعاتها.

أدى رحيل الموريسكيين إلى خسارة إسبانيا شريحة واسعة من الحرفيين والفلاحين والمهندسين المهرة، خاصة في مناطق غرناطة وبلنسية وأراغون.

في المقابل، ساهم الموريسكيون في تنشيط الاقتصاد والحياة الثقافية في بلدان المغرب العربي، حيث نقلوا معهم خبراتهم في الزراعة والري وصناعة النسيج والخزف والعمارة، كما حافظوا على جزء مهم من التراث الأندلسي الذي لا تزال آثاره حاضرة حتى اليوم.

تمثل ثورة البشرات آخر فصل من فصول المقاومة الإسلامية في الأندلس، وتجسد مأساة شعب وجد نفسه بين خيار التخلي عن هويته أو مواجهة قوة دولة مركزية سعت إلى توحيد البلاد دينيًا وسياسيًا. وعلى الرغم من فشل الثورة عسكريًا، فإنها بقيت رمزًا للصمود في وجه سياسات الإقصاء، ومحطة أساسية لفهم نهاية الوجود الإسلامي في إسبانيا.

ولا يزال المؤرخون يعدّون ثورة البشرات من أكثر الأحداث تأثيرا في تاريخ أوروبا الحديثة، لأنها لم تكن مجرد مواجهة عسكرية، بل صراعًا حول الهوية والذاكرة والانتماء، ترك بصماته العميقة على تاريخ إسبانيا والعالم المتوسطي.