برز مشروع قانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة كأحد أبرز النصوص التي أثارت جدلاً واسعاً، ليس فقط لما يحمله من أهداف معلنة ترتبط بتحديث المهنة، ولكن أيضاً لما يتضمنه من مقتضيات تُثير تساؤلات عميقة حول فلسفة هذا الإصلاح وحدوده. ومن بين أبرز هذه الإشكالات، ما يُفهم على أنه توجه نحو إقصاء فئة أساتذة القانون من الولوج الفعلي إلى مهنة الدفاع، عبر شروط تبدو، في ظاهرها تنظيمية، لكنها تحمل في عمقها طابعاً تقييدياً واضحاً.
يُفترض في أي إصلاح تشريعي أن يُعزّز منسوب العدالة، ويوسّع دائرة الكفاءات المساهمة في إحقاق الحقوق، غير أن القراءة المتأنية لمضامين هذا المشروع تكشف توجهاً مغايراً، إذ يتم تضييق شروط الولوج إلى مهنة المحاماة بشكل قد يُقصي فئة راكمت خبرة علمية وأكاديمية طويلة، وأسهمت لعقود في تكوين أجيال من القضاة والمحامين ومختلف مساعدي القضاء. فأساتذة القانون، بمختلف تخصصاتهم، لا يُمثلون فقط رصيداً معرفياً، بل يشكلون أيضاً صوتاً نقدياً داخل المنظومة القانونية، وإبعادهم أو الحد من مشاركتهم يطرح إشكالاً جوهرياً حول طبيعة المهنة وحدود الانفتاح داخلها.
ينص المشروع، في صيغته الحالية، على جملة من الشروط التي تُقيّد انخراط أساتذة القانون في مهنة المحاماة، من أبرزها اشتراط التفرغ الكامل، ومنع الجمع بين التدريس الجامعي والممارسة المهنية، إضافة إلى فرض فترة تدريب لا تُراعي المسار الأكاديمي السابق. هذه الشروط تضع الأستاذ الجامعي، مهما بلغت خبرته، في نفس موقع الخريج حديث العهد، دون اعتبار للتجربة أو للإنتاج العلمي، كما يغيب عن المشروع أي تصور لمسار خاص يُراعي خصوصية الأكاديميين، وهو ما يعزز الانطباع بوجود توجه إقصائي أكثر منه تنظيمي.
ويُطرح في هذا السياق سؤال مشروع حول الخلفيات الحقيقية لهذا التوجه، إذ يرى عدد من المتابعين أن الأمر قد يرتبط بمحاولة تقليص عدد الممارسين وحماية المجال المهني من المنافسة، خاصة من طرف فئة تمتلك أدوات تحليل ونقد متقدمة. وبينما يظل تنظيم المهن أمراً ضرورياً، فإن هذه الضرورة تفقد مشروعيتها حين تتحول إلى آلية لإغلاق المجال بدل تطويره، خصوصاً في مهنة ترتبط جوهرياً بالدفاع عن الحقوق والحريات.
ولا يقتصر أثر هذا الإقصاء المحتمل على فئة أساتذة القانون فقط، بل يمتد إلى جودة العدالة نفسها، ذلك أن المرافعة القانونية ليست مجرد ممارسة تقنية، بل هي أيضاً بناء فكري وحجاجي يستفيد من العمق الأكاديمي. وقد أبانت تجارب عديدة أن مساهمة الأكاديميين في القضايا الكبرى تُثري النقاش القضائي، وتُعزز من حضور الثقافة الدستورية وحقوق الإنسان داخل المحاكم، مما يجعل تقليص هذا الدور خطوة قد تُفقر الممارسة القانونية بدل أن تطورها.
وعند مقارنة هذا التوجه بما هو معمول به في عدد من الدول، يتضح أن التكامل بين الجامعة والممارسة المهنية يُعدّ ركيزة أساسية في تطوير العدالة، حيث تُتيح العديد من الأنظمة القانونية للأكاديميين الانخراط في مهنة المحاماة وفق صيغ مرنة تُراعي خصوصيتهم العلمية، وهو ما يعكس إيماناً بأن القانون يتغذى من التفاعل المستمر بين النظرية والتطبيق، لا من الفصل القسري بينهما.
إن إصلاح مهنة المحاماة، في نهاية المطاف، لا ينبغي أن يتم على حساب التنوع والكفاءة، بل عبر توسيع قاعدة المشاركة وخلق جسور حقيقية بين المعرفة الأكاديمية والممارسة المهنية. فالقانون، في جوهره، ليس مجرد نصوص جامدة، بل هو تعبير عن توازن دقيق بين الحقوق والواجبات، وأي اختلال في هذا التوازن قد ينعكس سلباً على منظومة العدالة برمتها. ومن هذا المنطلق، تبدو إعادة النظر في هذا المشروع ضرورة ملحة، ليس فقط لإنصاف فئة بعينها، بل لضمان عدالة أكثر انفتاحاً وفعالية، قادرة على مواكبة التحولات المجتمعية وحماية الحقوق والحريات في إطار دولة القانون.