ليست كل السّير الذاتية مجرد استعادة لذكريات الطفولة أو محطات العمر، فبعضها يتحول إلى شهادة إنسانية وفكرية تكشف للقارئ أسرار شخصية ظلت لسنوات تثير الإعجاب والتساؤل. وهذا بالضبط ما حققه الطبيب والكاتب الدكتور إبراهيم عروش من خلال نصه الموسوم بـ”علاقتي بلغة الضاد”، والذي لم يكن مجرد استرجاع للماضي، بل رحلة عميقة في الذاكرة والهوية والوعي.
ومنذ سنوات، وأنا أتابع كتابات الدكتور إبراهيم عروش في مختلف المنابر الإعلامية ومواقع التواصل الاجتماعي، كان يراودني سؤال جوهري لم أجد له جوابا مقنعا: كيف لرجل اختار مسارا علميا دقيقا، ونعلم جميعا أن أغلبية الأطباء بالمغرب يتلقون تكوينهم الجامعي داخل كليات الطب باللغة الفرنسية، أن يمتلك هذا الرصيد اللغوي والأدبي الرفيع؟ وكيف استطاع أن يحافظ على هذا النفس العربي الأصيل، وأن يكتب بلغة أنيقة تجمع بين قوة الفكرة وجمال الأسلوب؟
لقد ظل هذا السؤال معلقا في ذهني إلى أن قرأت سيرته الذاتية الأخيرة، فوجدت الجواب بين سطورها.
فمن خلال أسلوبه السلس والممتع في سرد وقائع وأحداث حياته منذ الطفولة، كشف الدكتور إبراهيم عروش للقارئ السر الحقيقي وراء هذه العلاقة الاستثنائية مع اللغة العربية. فقبل أن يصبح طبيبا، كان طفلا من أبناء قرية المزيندة العمالية بضواحي اليوسفية، حيث كانت الكتاتيب القرآنية تشكل المدرسة الأولى للحياة، وحيث كان حفظ القرآن الكريم ومجالس اللغة والنحو والشعر جزءا من التكوين اليومي لأبناء المنطقة.
هناك، بين ألواح الخشب والمداد وأصوات التلاميذ وهم يتلون آيات الذكر الحكيم، بدأت أولى خطواته مع لغة الضاد. وهناك أيضا تشكلت علاقة وجدانية عميقة مع العربية، لم تكن علاقة دراسة أو امتحانات، بل علاقة عشق وانتماء وهوية.
ويستحضر الكاتب في نصه أجواء الكُتّاب القرآني الذي تلقى فيه تعليمه الأول على يد الفقيه المرحوم سي سلامي، مسترجعا صورا من زمن بسيط لكنه غني بالقيم والمعاني. كما يتحدث بإعجاب عن طلبة التعليم العتيق الذين كانوا يحفظون القرآن الكريم ويدرسون ألفية ابن مالك ونظم الآجرومية ويتقنون قواعد النحو والصرف والشعر العربي، وهو ما ترك أثرا بالغا في نفسه منذ الصغر.
ومن خلال هذه التفاصيل، يدرك القارئ أن الطبيب الذي اختار لاحقا دراسة العلوم الطبية لم يغادر عالم اللغة العربية، بل حمله معه في رحلته العلمية والمهنية. لذلك لم يكن مستغربا أن يتحول لاحقا إلى كاتب يمتلك قدرة لافتة على التعبير والتحليل والسرد.
غير أن قيمة النص لا تتوقف عند حدود اللغة والأدب، بل تتجاوزها إلى البعد الإنساني والاجتماعي.
فمن بين أكثر المقاطع تأثيرا في السيرة، ذلك المشهد الذي يروي فيه الكاتب وقوفه طفلا خلف سياج حديقة جميلة كانت مخصصة لأطفال كُتّاب المكتب الشريف للفوسفاط، في الوقت الذي كان أطفال الكتاتيب الأخرى يكتفون بالمشاهدة من بعيد.
قد تبدو الواقعة بسيطة في ظاهرها، لكنها تحولت في وجدان الطفل الصغير إلى أول درس عملي في معنى التمييز والإقصاء. فبينما كان الجميع يعيشون في القرية نفسها ويتقاسمون الظروف نفسها، لم يكن الجميع يتمتعون بالحقوق والفرص نفسها.
ويحسب للدكتور إبراهيم عروش أنه لم يتعامل مع هذه الذكرى بروح الانتقام أو المظلومية، بل حولها إلى سؤال فكري وإنساني حول العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص، وهو السؤال الذي ظل يرافقه حتى بعد عقود طويلة من تلك المرحلة.
لقد نجح الكاتب في الربط بين ذاكرة الطفولة وواقع الحاضر، حين استعاد الإحساس نفسه وهو يتأمل بعض الفضاءات الاجتماعية والرياضية التي ما تزال في نظره تعكس نوعا من التمييز غير المعلن بين فئات المجتمع.
وهنا تكمن قوة النص؛ فهو لا يقدم ذكريات شخصية فحسب، بل يحول التجربة الفردية إلى قضية عامة تهم المجتمع بأسره.
ولعل أكثر ما يميز هذه السيرة هو الصدق الذي كتبت به. فالدكتور إبراهيم عروش لا يسعى إلى تلميع صورته أو صناعة بطولة شخصية، بل يقدم نفسه كما هو: طفل أحب العربية، وشاب اختار الطب، ورجل ما يزال يحمل في داخله أسئلة العدالة والكرامة والإنصاف.
إن القارئ لهذا النص يدرك أن سر تميز الدكتور إبراهيم عروش في الكتابة لم يكن وليد الصدفة، بل هو ثمرة مسار طويل بدأ من الكُتّاب القرآني، مرورا بالمدرسة والجامعة، وصولا إلى مهنة الطب التي لم تستطع أن تنتزع منه عشقه الأول للغة الضاد.
لقد استطاع أن يجمع بين عقل الطبيب ودقة الباحث وحساسية الأديب وذاكرة الإنسان المشبعة بقيم الانتماء والوفاء للمكان.
وفي زمن أصبحت فيه اللغة العربية تعاني من التراجع في كثير من المجالات العلمية والمهنية، يقدم الدكتور إبراهيم عروش نموذجا ملهما يؤكد أن التفوق العلمي لا يتعارض مع التمسك باللغة العربية، وأن الطبيب يمكن أن يكون أديبا، كما يمكن للأديب أن يحمل رؤية علمية عميقة للحياة.
إن نص “علاقتي بلغة الضاد” ليس مجرد سيرة ذاتية، بل شهادة إنسانية راقية، ودرس بليغ في الوفاء للجذور، ورسالة تؤكد أن اللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل جزء من الذاكرة والهوية والكرامة.
ولعل أجمل ما يمكن أن يقال في حق الدكتور إبراهيم عروش بعد قراءة هذه السيرة، أنه لم يكتف بمعالجة الأجساد في مساره المهني، بل نجح أيضا في مداواة الذاكرة بالكلمة الجميلة، وفي إعادة الاعتبار لقيم إنسانية نبيلة ما أحوج مجتمعنا إليها اليوم.
إنه طبيب يكتب بوجدان أديب، وأديب يفكر بعقل طبيب، وتلك معادلة نادرة تستحق كل التقدير والاحترام.