جريدة

الشباب والأحزاب السياسية بالمغرب.. رهانات المشاركة والتأطير وتجديد النخب

لقاء مرتقب بالرباط يفتح النقاش حول تعزيز حضور الشباب في الحياة السياسية وتطوير أدوار الشبيبات الحزبية

يتصدر موضوع مشاركة الشباب في الحياة السياسية بالمغرب النقاش العمومي، في ظل التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي تشهدها المملكة، وما تفرضه من ضرورة تطوير آليات التأطير السياسي، وتعزيز الثقة في المؤسسات، وفتح المجال أمام الكفاءات الشابة للمساهمة في صياغة السياسات العمومية والمشاركة في تدبير الشأن العام.

وفي هذا السياق، يتضمن برنامج الأنشطة بالعاصمة الرباط، يوم الاثنين 26 أكتوبر 2026، اجتماعاً مرتقباً للوزير المكلف بالشباب مع شبيبات الأحزاب السياسية، وفق الأجندة المتداولة، في موعد يُنتظر أن يتيح تبادل وجهات النظر بشأن واقع المشاركة الشبابية، والتحديات التي تواجه التنظيمات الحزبية في استقطاب الأجيال الجديدة وتأطيرها.

وتبرز أهمية هذا الموضوع بالنظر إلى الدور الذي يمكن أن يضطلع به الشباب في تطوير الممارسة السياسية، والمساهمة في بلورة تصورات جديدة لمعالجة قضايا التشغيل والتعليم والتكوين والعدالة الاجتماعية والتنمية الترابية.

المشاركة السياسية للشباب.. أبعد من صناديق الاقتراع

لا تقتصر المشاركة السياسية للشباب على التسجيل في اللوائح الانتخابية أو التصويت خلال الاستحقاقات، بل تشمل أيضاً الانخراط في النقاش العمومي، والمساهمة في إعداد البرامج السياسية، وتقديم المبادرات، والمشاركة في تدبير الشأن العام على المستويات المحلية والجهوية والوطنية.

ويظل توسيع هذه المشاركة مرتبطاً بقدرة المؤسسات السياسية على توفير فضاءات فعلية للتعبير والاستماع إلى تطلعات الشباب، وإشراكهم في عمليات التشاور وصنع القرار، بما يعزز شعورهم بجدوى الانخراط في الحياة السياسية.

كما أن تجديد النخب لا يتحقق بمجرد تقديم وجوه شابة خلال المحطات الانتخابية، بل يستدعي إرساء مسارات واضحة للتكوين والتأطير، وتمكين الكفاءات الجديدة من تحمل المسؤولية داخل الأحزاب والمؤسسات المنتخبة.

ومن هذا المنطلق، يطرح موضوع المشاركة الشبابية تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين الأجيال الجديدة والأحزاب السياسية، ومدى قدرة هذه الأخيرة على تطوير خطابها وأساليب اشتغالها بما ينسجم مع التحولات التي يعرفها المجتمع المغربي.

الشبيبات الحزبية أمام تحدي التأطير والتجديد

تضطلع الشبيبات الحزبية بدور مهم في تأطير الشباب، وتنمية مهاراتهم في العمل السياسي والتنظيمي، وتعريفهم بآليات اشتغال المؤسسات المنتخبة. كما يمكن أن تشكل فضاءً لإعداد القيادات المستقبلية، وتعزيز النقاش الداخلي بشأن البرامج والمواقف السياسية، ونقل انتظارات الشباب إلى الهيئات القيادية للأحزاب.

غير أن فعالية هذه التنظيمات تظل رهينة بمدى توفرها على هامش حقيقي للمبادرة والتأثير في القرارات الحزبية، والمشاركة في صياغة البرامج والمواقف، بدل الاقتصار على أدوار تنظيمية أو تواصلية محدودة.

وتبرز، في هذا الإطار، الحاجة إلى تطوير أساليب التواصل مع الشباب خارج الهياكل الحزبية التقليدية، والاستفادة من الوسائط الرقمية، وفتح نقاشات مرتبطة بالقضايا اليومية التي تشغل الأجيال الجديدة.

فالانخراط السياسي المستدام يتطلب خطاباً واضحاً ومقنعاً، وبرامج قابلة للتنفيذ، وآليات للمحاسبة الداخلية، إلى جانب توفير فرص متكافئة أمام الشباب للمشاركة في الحياة التنظيمية وتحمل المسؤولية.

التشغيل والتعليم في صلب انتظارات الأجيال الجديدة

لا يمكن فصل المشاركة السياسية عن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للشباب، خصوصاً ما يتعلق بفرص التشغيل، وجودة التكوين، والسكن، والقدرة على تحقيق الاستقلال الاقتصادي.

وتؤثر هذه الملفات في طبيعة العلاقة بين الشباب والمؤسسات، ما يجعل السياسات العمومية الموجهة إليهم عاملاً أساسياً في تعزيز الثقة وتوسيع دائرة المشاركة.

ويأتي التشغيل في مقدمة القضايا التي تستدعي مقاربة متكاملة، تجمع بين تطوير التكوين المهني والجامعي، وتحسين ملاءمة التخصصات مع حاجيات سوق الشغل، وتشجيع المبادرة المقاولاتية، ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة.

كما تبرز أهمية تقليص الفوارق المجالية حتى لا تظل فرص التكوين والعمل متمركزة في عدد محدود من المدن والمراكز الاقتصادية، بما يتيح للشباب في المناطق القروية والجهات الأقل استفادة فرصاً أوسع للاندماج الاقتصادي والاجتماعي.

ومن شأن إدراج هذه القضايا ضمن الحوار بين الحكومة وشبيبات الأحزاب أن يساهم في الانتقال من الطروحات العامة إلى مناقشة حلول عملية تراعي اختلاف الحاجيات والانتظارات بين الشباب في المدن والمناطق القروية.

استعادة الثقة في المؤسسات السياسية

تمثل الثقة أحد المرتكزات الأساسية للعلاقة بين المواطنين والمؤسسات السياسية، ويتطلب تعزيزها وضوح البرامج، والقدرة على الوفاء بالالتزامات، وتقديم حصيلة قابلة للتقييم، فضلاً عن إرساء قنوات للتواصل المستمر مع المواطنين.

وبالنسبة إلى الشباب، تصبح المشاركة أكثر جاذبية عندما يلمسون أن آراءهم تحظى بالاهتمام، وأن انخراطهم يمكن أن يساهم في إحداث تغيير ملموس في محيطهم ومجتمعهم.

ومن هنا، تبرز أهمية تطوير آليات الحوار مع التنظيمات الشبابية، وإشراكها في النقاشات المرتبطة بالسياسات العمومية، وتعزيز حضورها في المبادرات المحلية والجهوية.

كما تظل الأحزاب السياسية مطالبة بتقوية الديمقراطية الداخلية، وتوضيح معايير إسناد المسؤوليات، وضمان تكافؤ الفرص أمام الكفاءات الشابة، بما يتيح تجديد الممارسة السياسية وتطوير الأداء المؤسساتي.

الحوار الحكومي مع الشبيبات الحزبية.. من التشاور إلى النتائج

يشكل الاجتماع المدرج ضمن أجندة الرباط مناسبة مرتقبة لتبادل وجهات النظر بشأن التحديات المرتبطة بالشباب والمشاركة السياسية، غير أن تفاصيل مضمونه الفعلي تظل مرتبطة بما ستعلنه الجهات المنظمة من معطيات رسمية.

وتكمن أهمية مثل هذه اللقاءات في قدرتها على توفير مساحة للتشاور بين المؤسسات الحكومية والتنظيمات الشبابية، ومناقشة الأولويات، وتحديد مجالات العمل المشترك التي تحتاج إلى مزيد من التنسيق.

لكن نجاح الحوار لا يقاس بمجرد انعقاده، بل بمدى وضوح التوصيات التي قد تصدر عنه، وإمكانية ترجمتها إلى برامج وإجراءات قابلة للتنفيذ والتقييم.

كما تظل استمرارية التواصل بين الأطراف المعنية ضرورية لتتبع المقترحات، وتحديد المسؤوليات، وقياس أثر التدابير المعتمدة على أرض الواقع، بما يمنح الحوار بعداً عملياً يتجاوز تبادل المواقف والتصورات.

تجديد النخب السياسية.. استثمار في المستقبل

يمثل تجديد النخب السياسية أحد التحديات المرتبطة بتطور المؤسسات الديمقراطية، إذ يتطلب تحقيق التوازن بين الخبرة المتراكمة والكفاءات الجديدة، مع توفير مسارات واضحة للتكوين والتدرج في تحمل المسؤولية.

ولا يقتصر هذا التجديد على تغيير الأعمار أو الوجوه، بل يشمل أيضاً تطوير أساليب التدبير، وتعزيز ثقافة الحوار، وتحسين جودة البرامج السياسية، والانفتاح على الكفاءات العلمية والمهنية القادرة على تقديم تصورات ومبادرات جديدة.

وفي هذا السياق، يمكن للشباب أن يشكلوا قوة اقتراحية مهمة، متى توفرت الظروف الملائمة لمشاركتهم الفعلية، وتمكينهم من تحمل المسؤولية والمساهمة في بلورة حلول تستجيب لحاجيات المجتمع.

مشاركة الشباب.. مسؤولية مشتركة

يبقى تعزيز المشاركة السياسية للشباب مسؤولية مشتركة بين المؤسسات الحكومية والأحزاب السياسية والتنظيمات الشبابية، ويتطلب الانتقال من التأكيد على أهمية الشباب إلى توفير فرص حقيقية للتأطير والمشاركة وصناعة القرار.

وفي انتظار تأكيد التفاصيل الرسمية للاجتماع المرتقب بالرباط والإعلان عن مخرجاته، يظل ملف الشباب والأحزاب السياسية من القضايا المحورية في النقاش حول مستقبل العمل السياسي بالمغرب، وتجديد النخب، وتعزيز الثقة في المؤسسات.