جريدة

الأمير تركي الفيصل عضواً مشاركاً بأكاديمية المملكة المغربية بعد مسار حافل في الدبلوماسية والاستخبارات

احتفت أكاديمية المملكة المغربية، يوم الاثنين 26 أكتوبر 2026، بتنصيب الأمير تركي الفيصل بن عبد العزيز آل سعود عضواً مشاركاً بالمؤسسة، في حفل احتضنته العاصمة الرباط، بحضور شخصيات بارزة من مجالات الفكر والقضاء والدبلوماسية والثقافة، من بينها أندري أزولاي، مستشار الملك محمد السادس، ومحمد أمين بنعبد الله، رئيس المحكمة الدستورية، إلى جانب عدد من ممثلي البعثات الدبلوماسية الأجنبية المعتمدة بالمغرب.

ويعكس هذا التنصيب، وفق ما أبرزته الكلمات المقدمة خلال المناسبة، أهمية التبادل المعرفي والثقافي بين المغرب والسعودية، ويفتح المجال أمام الاستفادة من تجربة الأمير تركي الفيصل في العمل السياسي والدبلوماسي والبحثي، في سياق يتسم بتحولات متسارعة على المستويين الإقليمي والدولي.

مسار يجمع العمل السياسي والدبلوماسي والبحث العلمي

وُلد الأمير تركي الفيصل بمكة المكرمة في فبراير 1945، وتابع دراسته الأولى بالمدرسة النموذجية في الطائف، قبل انتقاله إلى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث درس بمدرسة لورانسفيل في ولاية نيوجيرسي، ثم بجامعة جورج تاون.

وتولى خلال مسيرته عدداً من المسؤوليات، من بينها العمل مستشاراً بالديوان الملكي السعودي، ورئاسة جهاز الاستخبارات السعودية، قبل تعيينه سفيراً للمملكة العربية السعودية لدى المملكة المتحدة وإيرلندا، ثم لدى الولايات المتحدة الأمريكية.

ويشغل الأمير تركي الفيصل حالياً عضوية مجلس أمناء مؤسسة الملك فيصل، كما يرأس مجلس إدارة مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، مواصلاً اهتمامه بمجالات البحث والثقافة والعلاقات الدولية.

لحجمري: تجربة الأمير تركي الفيصل تتجاوز المناصب التي تقلدها

وفي كلمة ألقاها خلال حفل التنصيب، أكد عبد الجليل لحجمري، أمين السر الدائم لأكاديمية المملكة المغربية، أن انضمام الأمير تركي الفيصل إلى المؤسسة يكتسب دلالة تتجاوز الطابع البروتوكولي للمناسبة، بالنظر إلى ما يجمع تجربته من خبرة في تدبير شؤون الدولة، وممارسة الدبلوماسية، والاهتمام بالبحث والتاريخ والثقافة والعلاقات الدولية.

وأوضح لحجمري أن أهمية التجارب العامة لا تُقاس فقط بالمناصب التي يتولاها أصحابها، بل كذلك بتنوع مجالاتها واتساع آفاقها، مشيراً إلى أن المسؤوليات التي اضطلع بها الأمير تركي الفيصل أتاحت له مواكبة تحولات سياسية ودولية كبرى، والتفاعل مع التغيرات التي عرفتها العلاقات بين الدول والمجتمعات.

وأضاف أن التحولات التي أحدثتها وسائل الإعلام والتكنولوجيا في طرائق التفكير وتشكيل الوعي وصناعة القرار تجعل من التجارب التي تجمع بين السياسة والثقافة والبحث العلمي رصيداً مهماً لفهم العالم المعاصر.

وأشار أمين السر الدائم للأكاديمية إلى أن المسار الدبلوماسي للأمير تركي الفيصل، الذي شمل تمثيل بلاده في المملكة المتحدة وإيرلندا والولايات المتحدة الأمريكية، أتاح له الاحتكاك المباشر بأزمات دولية وتحولات طبعت العقود الأخيرة، بالتوازي مع اهتمامه بالمؤسسات الثقافية والمعرفية.

«أدوار الثقافة في عالم متغير» محور درس التنصيب

وتناول لحجمري موضوع الدرس الذي ألقاه الأمير تركي الفيصل بمناسبة تنصيبه، والمتمحور حول «أدوار الثقافة في عالم متغير»، معتبراً أن هذا الموضوع ينسجم مع تجربته التي تتقاطع فيها السياسة والتاريخ والدبلوماسية والعلاقات الدولية.

وأوضح أن الثقافة لم تعد مجالاً منفصلاً عن التحولات السياسية والاقتصادية، بل أصبحت عنصراً أساسياً في فهم علاقة الإنسان بذاته وبالآخر والعالم، وفي استيعاب التغيرات التي تطال القيم والمرجعيات والهوية والذاكرة.

وشدد على أن التحولات الراهنة جعلت التغير سمة دائمة في حياة المجتمعات، في ظل تسارع تداول المعرفة وتطور وسائل التواصل وتزايد التداخل بين الثقافات، وهي تحولات تفتح آفاقاً جديدة للتقارب، لكنها قد تفرز أيضاً أشكالاً من التوتر وسوء الفهم.

وفي هذا السياق، أبرز لحجمري أن وظيفة الثقافة لا تقتصر على صون الموروث، بل تشمل أيضاً توفير أدوات فكرية تساعد الإنسان على فهم عالم يتغير بوتيرة متسارعة، مؤكداً أن الثقافة منظومة متكاملة من القيم واللغة والرموز والتصورات وأنماط التفكير والسلوك.

الهوية بين الحفاظ على الجذور والانفتاح على التحولات

وتطرق لحجمري إلى التحديات التي تواجه الهوية في العالم المعاصر، في ظل حركة الأشخاص والأفكار والصور وتزايد انفتاح المجتمعات على مرجعيات متعددة، قد تتكامل في بعض الحالات وتتعارض في حالات أخرى.

واعتبر أن حيوية الهوية لا تتحدد بقدرتها على رفض كل جديد، وإنما بمدى قدرتها على التفاعل مع التحولات انطلاقاً من الوعي والثقة بالذات. فالانغلاق، بحسب ما أوضح، قد يحول الذاكرة إلى عنصر جامد، بينما قد يؤدي الانفتاح غير المؤطر إلى إضعاف القدرة على تحديد الخصوصية والمرجعيات.

وأكد أن الثقافة تسهم في تحقيق التوازن بين الحفاظ على عناصر الاستمرارية والانفتاح على التجديد، كما تساعد المجتمعات على فهم الآخر واحترام الاختلاف دون التخلي عن قيمها الأساسية.

وخلص أمين السر الدائم لأكاديمية المملكة المغربية إلى أن بناء وعي منفتح يتطلب الإقرار بأن التنوع لا يتعارض مع التعايش، وأن الحوار بين الثقافات يكون أكثر نضجاً عندما يستند إلى المعرفة والاحترام والإصغاء المتبادل.

كما أبرز أهمية الفلسفة والأدب والفنون والعلوم الإنسانية في توسيع آفاق التفكير، ومساءلة الأفكار السائدة والخطابات المؤثرة، ومنح الإنسان القدرة على النظر إلى القضايا من زوايا متعددة، بعيداً عن اختزال الواقع في تفسير واحد.