جريدة

استثمارات إفريقية محدودة في المغرب رغم توسع الحضور المالي المغربي بالقارة

لم تتجاوز مساهمة الاستثمارات الأجنبية المباشرة القادمة من البلدان الإفريقية إلى المغرب نسبة 1,8 في المائة من إجمالي المداخيل المسجلة خلال سنة 2025، والتي بلغت حوالي 6,6 مليارات دولار، أي ما يعادل 64,22 مليار درهم، وهو ما يعكس استمرار محدودية تدفق رؤوس الأموال الإفريقية نحو المملكة، رغم تنامي الحضور الاقتصادي والمالي للمؤسسات المغربية داخل القارة.

وتشير المعطيات الواردة في تقرير البنك الإفريقي للتنمية، إلى أن قيمة الاستثمارات القادمة من الدول الإفريقية بلغت نحو 118,8 مليون دولار، أي ما يقارب 1,16 مليار درهم، مقابل 6,48 مليارات دولار من خارج القارة، وهو ما يمثل 98,2 في المائة من إجمالي المداخيل المسجلة.

وفي المقابل، استحوذ قطاعا الصناعة والعقار على 59,4 في المائة من مداخيل الاستثمارات الأجنبية المباشرة، بقيمة تقدر بنحو 3,92 مليارات دولار، ما يكشف استمرار تمركز التدفقات الاستثمارية في عدد محدود من القطاعات، إلى جانب ضعف تنوع مصادر التمويل من الناحية الجغرافية.

وأوضح البنك الإفريقي للتنمية، ضمن تقريره المعنون بـ«تعبئة موارد واسعة النطاق لتمويل تنمية المغرب في عالم مجزأ»، أن الاندماج المالي بين الاقتصادات الإفريقية لا يزال يواجه مجموعة من التحديات، أبرزها تجزؤ الأسواق، خاصة بمنطقة شمال إفريقيا، واختلاف الأطر التنظيمية والتشريعية بين الدول، الأمر الذي يحد من انتقال رؤوس الأموال والاستثمارات بين الأسواق الإفريقية.

ورغم هذه الإكراهات، عزز المغرب موقعه باعتباره مركزا ماليا إقليميا، مستفيدا من تطور قطاعه البنكي وانتشار ثلاث مجموعات مصرفية كبرى في عدد من البلدان الإفريقية، فضلا عن الدور الذي يضطلع به القطب المالي للدار البيضاء في استقطاب المؤسسات المالية وشركات الخدمات الراغبة في التوسع داخل الأسواق الإفريقية، وربطها بالمراكز الاقتصادية والمالية في أوروبا والشرق الأوسط.

تحديات الاندماج المالي الإفريقي

وسجل التقرير أن الحضور الواسع للمجموعات البنكية المغربية داخل القارة لم ينعكس بالقدر نفسه على حجم الاستثمارات الإفريقية الوافدة إلى المملكة، مؤكدا ضرورة الانتقال من مجرد التوسع الجغرافي للمؤسسات المصرفية إلى بناء آليات مالية مشتركة تتيح تعبئة رؤوس الأموال وتدبير المخاطر وتسهيل المعاملات الاستثمارية العابرة للحدود.

وفي هذا الإطار، أشار البنك الإفريقي للتنمية إلى انضمام المغرب، خلال سنة 2025، إلى النظام الإفريقي للدفع والتسوية (PAPSS)، الذي يشرف على تنفيذه البنك الإفريقي للتصدير والاستيراد، في إطار منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية.

ويهدف هذا النظام إلى تسهيل وتأمين عمليات الأداء بين الدول الإفريقية باستعمال العملات المحلية، بما يقلص الاعتماد على العملات الأجنبية الوسيطة، ويساهم في تسريع تسوية المعاملات التجارية والمالية وخفض تكلفتها.

وشدد التقرير على أهمية تطوير أنظمة الأداء والتسوية الإقليمية، وتعزيز قابلية التشغيل البيني للبنيات التحتية المالية، بهدف تجاوز الصعوبات المرتبطة بتحويل العملات وتعدد الأنظمة المالية، والتي تشكل أحد أبرز العوائق أمام تنمية المبادلات والاستثمارات داخل القارة.

كما توقف التقرير عند مشاركة بورصة الدار البيضاء في مشروع الربط بين البورصات الإفريقية (African Exchanges Linkage Project)، الذي أطلق سنة 2022، بهدف تسهيل الولوج المتبادل إلى أسواق الرساميل الإفريقية.

ويربط هذا المشروع بورصات تمثل أكثر من 90 في المائة من الرسملة السوقية للقارة، بما يوفر فرصا إضافية لتوسيع حركة الاستثمارات وتسهيل انتقال رؤوس الأموال بين الأسواق المشاركة.

غير أن الاستفادة من هذه المبادرات لا تزال مرتبطة بتجاوز عدد من العقبات، من بينها ضعف البنيات التحتية المالية، ومحدودية الربط بين الأنظمة المعلوماتية، فضلا عن اختلاف قواعد الحكامة والتأطير التنظيمي بين البلدان الإفريقية.

وفي ما يتعلق بالمنظومة المالية المغربية، أشار التقرير إلى استمرار هيمنة القطاع البنكي، مقابل تفاوت واضح بين سوق سندات الخزينة والسندات الخاصة؛ إذ بلغ رصيد سندات الخزينة 74,5 مليار دولار بنهاية سنة 2024، مقابل 17,9 مليار دولار بالنسبة إلى السندات الخاصة.

كما استحوذ القطاع المالي على 73 في المائة من عمليات تعبئة التمويل عبر إصدار أدوات الدين، متبوعا بقطاع المعادن بنسبة 18 في المائة.

ويرى البنك الإفريقي للتنمية أن هذا التركز يحد من توجيه الموارد المالية نحو قطاعات إنتاجية متنوعة، الأمر الذي يستدعي تعميق سوق الرساميل وتوسيع قاعدة المستثمرين والمصدرين، وتوفير مصادر تمويل طويلة الأمد للمقاولات والمشاريع الاستثمارية.

توصيات لتعزيز الاستثمارات الإفريقية بالمغرب

وفي إطار البحث عن حلول لتجاوز محدودية الاستثمارات الإفريقية البينية، دعا التقرير إلى تعزيز التقارب بين الأطر التنظيمية الوطنية، خصوصا تلك المرتبطة بالشراكات بين القطاعين العام والخاص والتمويل المستدام.

كما أوصى بتوسيع التعاون بين السلطات الرقابية البنكية وتنسيق المعايير الاحترازية، بما يساهم في تقليص المخاطر التنظيمية وتسهيل انتقال الاستثمارات بين البلدان الإفريقية.

ومن بين المقترحات التي تضمنها التقرير، إحداث صناديق سندات إقليمية مخصصة لتمويل مشاريع البنيات التحتية العابرة للحدود، من خلال تجميع الموارد المالية وتوزيع المخاطر بين المستثمرين، بما يسمح بتوفير تمويلات أكبر وبآجال استحقاق أطول وشروط أكثر ملاءمة.

ودعا المصدر ذاته أيضا إلى تطوير آليات إقليمية لتقييم المخاطر السيادية والمالية وتدبيرها، مع مراعاة الخصوصيات الاقتصادية والمؤسساتية لكل بلد، وتعزيز التنسيق بين أنظمة الأداء والتسوية والسلطات الرقابية وأسواق الرساميل.

ويهدف هذا التوجه إلى بناء شبكة مالية إقليمية أكثر ترابطا، قادرة على دعم التعاون بين المؤسسات التنظيمية الوطنية، وتحسين مراقبة المخاطر العابرة للحدود، دون المساس باختصاصات السلطات المحلية.

وربط البنك الإفريقي للتنمية أهمية هذه الإصلاحات بحاجيات المغرب المتزايدة لتمويل تحوله الاقتصادي، والتي تقدر بنحو 14,9 مليار دولار سنويا إلى غاية سنة 2030، ما يستدعي تعبئة موارد مالية إضافية، وتنويع مصادر التمويل، وتعزيز مساهمة القطاع الخاص والمستثمرين المؤسساتيين.

وفي سياق متصل، سجل صافي تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة نحو المغرب ارتفاعا بنسبة 11,5 في المائة خلال سنة 2025، ليصل إلى حوالي 3,5 مليارات دولار، وهو رقم يختلف عن إجمالي المداخيل الاستثمارية البالغ 6,6 مليارات دولار، المعتمد في احتساب حصة الاستثمارات القادمة من البلدان الإفريقية.

وخلص التقرير إلى أن تعزيز موقع الدار البيضاء باعتبارها مركزا ماليا إفريقيا مرجعيا يظل رهينا بتطوير الاندماج المالي الإقليمي، وإرساء آليات مشتركة لتعبئة الموارد وتدبير المخاطر، بما يساهم في تحفيز الاستثمارات البينية وتمويل المشاريع الإنتاجية والبنيات التحتية، وتنويع مصادر الرساميل، وتعزيز قدرة الاقتصادات الإفريقية على تمويل احتياجاتها التنموية.