رميد يحذر من «تأثير الكوبرا» في تعويضات الأرامل ويدعو إلى الحفاظ على الدعم بعد الزواج
حذر المصطفى الرميد، وزير الدولة الأسبق المكلف بحقوق الإنسان، من احتمال ترتب آثار اجتماعية وديمغرافية غير مقصودة عن قرار رفع تعويضات الأرامل إلى مستوى المعاش الكامل الذي كان يتقاضاه الزوج المتوفى، خاصة في حال استمرار العمل بشرط إسقاط هذا التعويض عند زواج الأرملة من جديد.
واعتبر الرميد أن هذا الإجراء، رغم أهميته في تعزيز الحماية الاجتماعية للنساء الأرامل وتحسين أوضاعهن المعيشية، قد يتحول إلى عائق أمام إعادة بناء الحياة الأسرية للمستفيدات، إذا ارتبط الاحتفاظ بالتعويض بعدم الزواج مجدداً.
وأوضح الوزير الأسبق، في قراءة لمضامين التصريح الحكومي ومشروع قانون المالية، أنه تابع باهتمام التدابير التي أعلنت عنها رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري، إلى جانب وزير الاقتصاد والمالية فوزي لقجع، خلال تقديم المشروع ومناقشته، مشيراً إلى أن عدداً من هذه الإجراءات يحمل طابعاً نوعياً ومتميزاً، شريطة الالتزام بتنفيذها وترجمتها إلى نتائج ملموسة.
«تأثير الكوبرا».. عندما تنتج القرارات نتائج عكسية
وسلط الرميد الضوء على ما يُعرف في تحليل السياسات العمومية بـ«تأثير الكوبرا»، وهو مفهوم يصف الحالات التي تؤدي فيها بعض القرارات، رغم نواياها الإيجابية، إلى نتائج عكسية تخالف الأهداف التي وضعت من أجلها.
واستحضر في هذا السياق واقعة تاريخية تعود إلى فترة الاستعمار البريطاني للهند، وتحديداً بمدينة دلهي، حين قررت السلطات تقديم مكافآت مالية لكل من يصطاد أفعى الكوبرا ويسلم جلدها، بهدف الحد من انتشارها.
غير أن هذا الإجراء دفع بعض السكان إلى تربية الأفاعي في مزارع خاصة، ثم قتلها للاستفادة من المكافآت المالية. وبعدما اكتشفت السلطات الأمر، قررت إلغاء نظام المكافآت، لكن ذلك أدى إلى إطلاق الأفاعي التي كان السكان يربونها، لتزداد أعدادها بدل أن تتراجع.
وتحولت هذه الواقعة إلى مثال يُستشهد به في تحليل السياسات العمومية لتوضيح كيف يمكن لبعض التدخلات أن تخلق سلوكيات غير متوقعة، وتؤدي في النهاية إلى نتائج معاكسة للأهداف المعلنة.
شرط عدم الزواج قد يحد من الاستقرار الأسري
وبإسقاط هذا المفهوم على وضعية الأرامل، يرى الرميد أن ربط الاستفادة من المعاش الكامل بشرط عدم الزواج مجدداً قد يضع النساء المستفيدات أمام اختيارات اجتماعية صعبة، إذ قد تتردد بعضهن في الارتباط من جديد خوفاً من فقدان مورد مالي أساسي يضمن لهن الاستقرار المعيشي.
وحذر من أن استمرار هذا الشرط قد يساهم في عزوف بعض الأرامل عن الزواج، أو يدفع إلى ظهور علاقات غير موثقة قانونياً، فضلاً عن احتمال بروز ممارسات اجتماعية غير مرغوب فيها.
وشدد على أن إعداد السياسات العمومية لا ينبغي أن يقتصر على معالجة الجوانب المالية والاجتماعية المباشرة، بل يتعين أن يأخذ بعين الاعتبار انعكاساتها على بنية المجتمع وتوازنه الديمغرافي.
تراجع الخصوبة يثير مخاوف ديمغرافية
وفي معرض حديثه عن التحديات الديمغرافية، استحضر الرميد نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024، التي كشفت عن تراجع معدل الخصوبة بالمغرب إلى 1.97 طفل لكل امرأة، وهو مستوى يقل عن عتبة تعويض الأجيال المحددة في 2.1 طفل لكل امرأة.
واعتبر أن هذه المؤشرات تستدعي مزيداً من الانتباه إلى السياسات التي تؤثر في الاستقرار الأسري وتشجيع الزواج، بالنظر إلى ارتباط هذه العوامل بالتوازن الديمغرافي ومستقبل البلاد.
كما أشار إلى أن الدعم المالي المخصص لتشجيع الزواج، والمحدد في خمسة آلاف درهم، تظل قيمته معنوية بالأساس، ولا يمكن التعويل عليه وحده لتحقيق هذا الهدف، داعياً إلى تفادي أي تدبير قد يحد من رغبة المواطنين في الزواج أو يزيد من مظاهر العزوف عنه.
الرميد يقترح الإبقاء على تعويض الأرملة بعد الزواج
وفي إطار مقترحاته لتجاوز هذه الإشكالية، دعا الرميد إلى مراجعة المقتضى القانوني الذي يقضي بإسقاط تعويض الأرملة في حال زواجها مجدداً، مقترحاً تمكينها من الاحتفاظ بالتعويض كاملاً رغم الزواج، أو على الأقل الاستمرار في صرف نصف قيمته.
ويرى الوزير الأسبق أن اعتماد هذا التعديل من شأنه تحقيق توازن بين هدفين أساسيين؛ أولهما ضمان الحماية الاجتماعية والمالية للأرامل، وثانيهما عدم تحويل الدعم إلى عائق أمام إعادة بناء حياتهن الأسرية، بما يعزز الاستقرار الاجتماعي ويساهم في مراعاة التحديات الديمغرافية التي تواجه المغرب.
ويعيد هذا النقاش، وفق الطرح الذي قدمه الرميد، طرح سؤال مدى قدرة السياسات الاجتماعية على الجمع بين حماية الفئات الهشة ومراعاة التحولات الأسرية والديمغرافية، بما يضمن ألا تتحول التدابير الموجهة للدعم إلى إجراءات تنتج آثاراً غير مقصودة.