جريدة

أربع أزمات تختبر الناخب الإسرائيلي.. من تداعيات الحروب إلى ارتفاع تكاليف المعيشة

تتجه الأنظار إلى الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية في ظل أزمات متشابكة تضع الناخب أمام ملفات سياسية وأمنية واقتصادية واجتماعية معقدة، تتصدرها المساءلة عن الإخفاقات التي سبقت هجوم السابع من أكتوبر 2023، ومستقبل الاستراتيجية الأمنية، والجدل حول التجنيد الإجباري لليهود الحريديم، فضلاً عن الارتفاع المستمر في تكاليف المعيشة.

وبدأ الإسرائيليون، الثلاثاء 27 أكتوبر 2026، التصويت في أول انتخابات عامة تُجرى منذ هجوم السابع من أكتوبر، وسط تداعيات الحروب والانقسامات الداخلية بشأن هوية الدولة وعلاقتها بالدين، في استحقاق يُنتظر أن يحدد ملامح المرحلة السياسية المقبلة وقدرة الحكومة الجديدة على التعامل مع هذه التحديات.

1. إخفاقات السابع من أكتوبر ومطلب التحقيق المستقل

لا يزال هجوم السابع من أكتوبر 2023 يلقي بظلاله على الحياة السياسية والمجتمع الإسرائيلي، بعدما أثار صدمة واسعة وفتح نقاشاً بشأن المسؤوليات السياسية والأمنية عن الإخفاقات التي سبقت الهجوم ولم تنجح في منعه.

ومنذ ذلك الحين، تطالب قطاعات من المجتمع الإسرائيلي بتشكيل لجنة تحقيق رسمية ومستقلة للكشف عن ملابسات ما جرى وتحديد المسؤوليات. وتتعهد أحزاب المعارضة بجعل هذا الملف من أولوياتها في حال وصولها إلى السلطة، مستندة إلى سوابق تشكيل لجان تحقيق عقب أزمات وطنية كبرى.

في المقابل، ترفض حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو المقترح بصيغته الحالية، وتحمّل المؤسسة الأمنية مسؤولية الإخفاق في التصدي للهجوم، داعية إلى تشكيل لجنة تحقيق مشتركة يُعيّن السياسيون أعضاءها.

وانتقد زعيم المعارضة يائير لابيد هذا التوجه، معتبراً أن اللجنة التي تقترحها الحكومة تهدف إلى تبرئة المسؤولين والحيلولة دون إجراء تحقيق حقيقي في ما وصفه بأكبر كارثة تعرض لها الشعب اليهودي منذ المحرقة.

وبذلك، تتحول مسألة التحقيق في أحداث السابع من أكتوبر إلى اختبار سياسي مهم، يرتبط بمحاسبة المسؤولين واستعادة الثقة في المؤسسات.

2. الاستراتيجية الأمنية.. من الردع إلى الاستنفار المستمر

تواجه العقيدة الأمنية الإسرائيلية مراجعة متزايدة في أعقاب التحولات التي أعقبت هجوم السابع من أكتوبر. فقد ارتكزت هذه العقيدة، على مدى عقود، على التفوق الاستخباراتي والردع وخوض حروب قصيرة، غير أن التطورات الأخيرة دفعت إسرائيل إلى خوض عمليات عسكرية طويلة وعلى جبهات متعددة.

ففي قطاع غزة، لا تزال إسرائيل تسيطر على أجزاء واسعة من القطاع، رغم إعلان وقف إطلاق نار لا يزال هشاً، وبعد أكثر من عامين على اندلاع الحرب. وفي جنوب لبنان، تواصل احتلال أجزاء من الأراضي اللبنانية، عقب مواجهات وحروب متتالية مع حزب الله على خلفية الحرب في غزة والتوتر مع إيران.

كما تقدمت القوات الإسرائيلية إلى مناطق في سوريا عقب سقوط نظام بشار الأسد، وأعلنت إسرائيل نيتها البقاء فيها. وفي الضفة الغربية المحتلة، تتواصل العمليات العسكرية، بينما تظل المواجهة مع إيران، إلى جانب الولايات المتحدة، حاضرة في الحسابات الأمنية الإسرائيلية، رغم عدم مشاركة إسرائيل في العمليات القتالية منذ إعلان وقف إطلاق النار في أبريل.

وتثير هذه التطورات تساؤلات بشأن قدرة الجيش الإسرائيلي على مواصلة الانتشار في عدة جبهات في الوقت نفسه، خصوصاً مع تكرار استدعاء عشرات الآلاف من جنود الاحتياط منذ عام 2023، وما يترتب على ذلك من أعباء عائلية ومهنية، بالتزامن مع تحذيرات عسكرية من نقص في عدد الجنود.

وفي هذا السياق، يرى الباحث في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي عوفر شيلاح أن إسرائيل انتقلت من سياسة تقوم على الردع والازدهار في الفترات الفاصلة بين الحروب إلى واقع يتسم بالحرب والاستنفار الدائمين.

ويضع هذا التحول الاستراتيجية الأمنية أمام اختبار سياسي وعسكري، يتعلق بمدى قدرة إسرائيل على إدارة صراعات ممتدة، وتأمين احتياجات الجيش، وتخفيف الأعباء التي يتحملها المجتمع.

3. التجنيد الإجباري والهوية الدينية للدولة

مع تزايد الحديث عن النقص في عديد الجيش الإسرائيلي، عاد الجدل بشأن إعفاء اليهود الحريديم، المنتمين إلى التيار الديني المتشدد، من الخدمة العسكرية إلى واجهة النقاش السياسي، ليتجاوز مسألة توزيع أعباء التجنيد نحو أسئلة أوسع تتعلق بطبيعة الدولة وهويتها.

وتتمسك الأحزاب الحريدية بالإعفاءات التي تسمح لطلاب المعاهد الدينية بعدم أداء الخدمة العسكرية، وتحظى في ذلك بدعم حزب الليكود بقيادة نتنياهو، إلى جانب شركائه في الائتلاف من أحزاب اليمين المتطرف.

في المقابل، تؤيد غالبية أحزاب المعارضة إنهاء هذه الإعفاءات، وأعلنت رفضها المشاركة في أي حكومة تضم أحزاباً حريدية، ما يجعل الملف أحد أبرز نقاط الخلاف في تشكيل الائتلافات الحكومية المقبلة.

ولا يتوقف الجدل عند التجنيد، بل يمتد إلى طبيعة الحياة العامة وحدود حضور الدين في مؤسسات الدولة والمجال الاجتماعي. فقد طرحت الحكومة المنتهية ولايتها، قبل أيام من حل الكنيست، إجراءات تشجع على الفصل بين الجنسين في بعض الأماكن العامة.

ويعتبر مؤيدو هذه السياسات أنها تعزز الطابع اليهودي لإسرائيل، بينما يرى منتقدوها أنها توسع نفوذ التيارات الدينية في الحياة العامة، ولا تعكس توجهات غالبية السكان.

وهكذا، يجد الناخب الإسرائيلي نفسه أمام نقاش يتداخل فيه الأمن مع الدين والمساواة في تحمل المسؤوليات، في وقت تزداد فيه الحاجة إلى الجنود لمواصلة العمليات العسكرية على جبهات متعددة.

4. غلاء المعيشة والضغوط على الأسر

إلى جانب الملفات الأمنية والسياسية، يحتل الوضع الاقتصادي مكانة بارزة في اهتمامات الناخبين، خصوصاً مع استمرار ارتفاع تكاليف المعيشة رغم تسجيل الاقتصاد الإسرائيلي نمواً على مدى السنوات الماضية وبقاء البطالة عند مستويات منخفضة تاريخياً.

فقد تضاعف الناتج المحلي الإجمالي لإسرائيل أكثر من مرتين منذ عام 2000، لكن هذا النمو لم ينهِ الضغوط التي تواجه الأسر، في ظل ارتفاع أسعار الغذاء والسكن وغيرها من الاحتياجات الأساسية.

وتشير بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن إسرائيل تقع ضمن الدول الثلاث الأعلى تكلفة من حيث الاحتياجات اليومية الأساسية، في وقت لا يزال فيه متوسط الأجور أدنى من متوسط دول المنظمة، وهو ما يزيد الفجوة بين تكاليف المعيشة والقدرة الشرائية للمواطنين.

ويربط خبراء اقتصاديون ارتفاع الأسعار بمجموعة من المشكلات الهيكلية، من بينها نقص المساكن والقيود التجارية وضعف المنافسة في قطاعات اقتصادية رئيسية. كما أسهمت الحروب في زيادة الضغوط على المالية العامة، بعدما تضاعفت ميزانية الدفاع منذ عام 2023.

وتفرض هذه المعطيات تحدياً إضافياً على الحكومة المقبلة، التي ستكون مطالبة بالموازنة بين متطلبات الإنفاق العسكري واحتياجات المواطنين الاجتماعية والاقتصادية، في ظل استمرار الضغوط على الأسر.

انتخابات تحت ضغط الأزمات المتداخلة

تجري الانتخابات الإسرائيلية في سياق تتقاطع فيه مطالب المحاسبة السياسية مع المخاوف الأمنية والانقسامات حول هوية الدولة، فضلاً عن التحديات الاقتصادية التي تمس الحياة اليومية للمواطنين.

وبين المطالبة بكشف حقيقة إخفاقات السابع من أكتوبر، والبحث عن استراتيجية أمنية قابلة للاستمرار، والخلاف حول التجنيد الإجباري، وارتفاع تكاليف المعيشة، تبدو نتائج الانتخابات مرتبطة بقدرة القوى السياسية على تقديم إجابات عملية عن أزمات متراكمة.

وسيكون على الحكومة المقبلة مواجهة معادلة صعبة تجمع بين إدارة الملفات الأمنية والعسكرية، والحفاظ على التماسك الداخلي، والاستجابة للضغوط الاجتماعية والاقتصادية التي باتت من أبرز محددات النقاش الانتخابي في إسرائيل.