الجديدة في قلب الاستحقاق التشريعي.. شبهة استمالة ناخبين تفتح تحقيقاً قبيل يوم الاقتراع
دخلت مدينة الجديدة وإقليمها يوم الاقتراع التشريعي في 23 شتنبر 2026 وسط ترقب سياسي وميداني، بعدما شهدت الأيام الأخيرة من الحملة الانتخابية واقعة أحيلت على القضاء، على خلفية تسجيل صوتي تم تداوله ويتعلق، وفق المعطيات المنشورة، بشبهة محاولة استمالة ناخبين.
وتأتي هذه الواقعة في سياق انتخابي وطني تتنافس خلاله اللوائح على 395 مقعداً بمجلس النواب، فيما حددت وزارة الداخلية يوم 23 شتنبر موعداً للاقتراع، على أن تبدأ عملية إعلان النتائج الأولية ابتداءً من 24 شتنبر.
الحراسة النظرية على خلفية تسجيل صوتي
أمرت النيابة العامة لدى المحكمة الابتدائية بالجديدة، يوم 21 شتنبر، بوضع شخص رهن تدبير الحراسة النظرية، وذلك على إثر البحث في تسجيل صوتي مسرب يتعلق بشبهة محاولة استمالة ناخبين.
وتحظى هذه الواقعة بأهمية خاصة لكونها انتقلت من دائرة التداول الإعلامي إلى المسار القضائي، غير أن الوضع تحت الحراسة النظرية لا يعني ثبوت الجريمة أو المسؤولية، وإنما يشكل إجراءً من إجراءات البحث الذي يهدف إلى التحقق من حقيقة الوقائع والظروف المحيطة بها.
ومن الناحية المهنية، يبقى من الضروري انتظار نتائج البحث القضائي قبل نسبة أي ممارسة غير قانونية إلى شخص أو جهة سياسية بعينها.
المال الانتخابي تحت المجهر
أعادت هذه القضية إلى الواجهة النقاش حول استعمال المال أو المنافع للتأثير على إرادة الناخبين، وهو ملف يحظى بمراقبة خاصة خلال مختلف مراحل الاستحقاق.
وعلى المستوى الوطني، أعلنت رئاسة النيابة العامة تسجيل 93 شكاية انتخابية خلال الفترة الممتدة من 21 غشت إلى 15 شتنبر 2026، اتُّخذ قرار بشأن 92 في المائة منها. وشملت الشكايات أفعالاً ذات طابع جرمي وأخرى لم يثبت فيها الطابع الجرمي.
كما تضمنت الحصيلة الوطنية شكايات مرتبطة بممارسات تهدف إلى التأثير في إرادة الناخبين بواسطة هدايا أو تبرعات أو وعود أو منافع، إلى جانب أفعال مرتبطة بالفضاء الرقمي والحملة الانتخابية.
لكن هذه الأرقام وطنية ولا تمثل حصيلة خاصة بمدينة الجديدة، ولذلك لا يمكن استخدامها لإثبات حجم المخالفات داخل الإقليم.
الجديدة.. منافسة سياسية وانتظارات محلية
وبعيداً عن الوقائع القضائية، شكلت القضايا المحلية والاجتماعية والتنموية جزءاً أساسياً من النقاش الانتخابي بإقليم الجديدة خلال فترة الحملة، في ظل تطلعات الناخبين إلى برامج واضحة تتناول التشغيل والاستثمار والخدمات العمومية والبنيات التحتية والتنمية القروية والحضرية.
كما شهدت الحملة حضوراً متنوعاً للأحزاب واللوائح المرشحة، مع اعتماد المرشحين على اللقاءات المباشرة والتجمعات والتواصل الرقمي للوصول إلى الناخبين.
وكانت تغطيات محلية قد أشارت، قبل الاقتراع، إلى أن المنافسة الانتخابية بالإقليم تركزت على مجموعة من الملفات التنموية والاجتماعية، مع التأكيد على أهمية احترام قواعد المنافسة وتكافؤ الفرص.
يوم الاقتراع.. المراقبة والشفافية في الواجهة
مع فتح مكاتب التصويت صباح الأربعاء، انتقل التنافس السياسي من مرحلة الخطاب الانتخابي إلى مرحلة الاختيار داخل صناديق الاقتراع.
وتؤكد المعطيات الرسمية أن الاقتراع انطلق على الساعة الثامنة صباحاً، فيما أعلنت وزارة الداخلية أن العملية تجري في ظروف عادية على المستوى الوطني. وبلغت نسبة المشاركة الوطنية 4.23 في المائة عند العاشرة صباحاً، ثم 11.34 في المائة عند منتصف النهار، و21 في المائة عند الثالثة بعد الزوال.
ولا تعني هذه النسب الوطنية بالضرورة نسبة المشاركة في الجديدة، في غياب رقم رسمي محلي منشور يمكن اعتماده.
المحاضر.. الوثيقة الحاسمة
في مثل هذه الاستحقاقات، لا تتوقف مراقبة الانتخابات عند أبواب مكاتب التصويت، بل تمتد إلى عملية الفرز وإحصاء الأصوات وتحرير المحاضر.
وتوفر القواعد المنظمة للانتخابات لممثلي لوائح الترشيح إمكانية تتبع عمليات التصويت والفرز والإحصاء وتقديم ملاحظاتهم والحصول على نسخ من المحاضر وفق الشروط القانونية.
وتكتسي هذه الوثائق أهمية كبيرة في حالة تسجيل اعتراضات أو طعون، لأنها تمثل السند المادي لتوثيق ما جرى داخل مكاتب التصويت.
بين الشكاية والحقيقة القضائية
وتبرز واقعة الجديدة أهمية التمييز بين ثلاثة مستويات مختلفة: الادعاء، والبحث القضائي، وثبوت المخالفة.
فالتسجيل الصوتي أو الشكاية يمكن أن يشكلا أساساً لفتح بحث، لكن المسؤولية لا تثبت إلا من خلال المسطرة القانونية والأدلة التي تعتمدها الجهات المختصة.
ومن ثم، فإن الحديث عن “شراء الأصوات” أو “تزوير الانتخابات” بصيغة الجزم قبل صدور نتائج البحث قد يؤدي إلى تحويل واقعة قيد التحقيق إلى حكم مسبق، وهو ما يتعارض مع أبسط قواعد العمل الصحفي المسؤول.
النتائج الرسمية بعد 24 شتنبر
وتبقى الأنظار متجهة إلى مرحلة إعلان النتائج الأولية، التي حددت البوابة الرسمية للانتخابات انطلاقها ابتداءً من 24 شتنبر 2026.
وفي انتظار النتائج، لا يمكن مهنياً تحديد الفائزين أو ترتيب الأحزاب أو الحديث عن احتكار انتخابي في الجديدة.
فالنتيجة النهائية ستتحدد بناءً على الأصوات المعبر عنها والمحاضر الرسمية، بينما تظل الوقائع التي أحيلت على القضاء خاضعة لمسار مستقل يحدد المسؤوليات، إن وجدت، وفق القانون.
الجديدة أمام اختبارين
تواجه الجديدة في هذا الاستحقاق اختباراً انتخابياً يرتبط من جهة بمستوى المشاركة، ومن جهة أخرى بمدى احترام قواعد المنافسة وسلامة العملية الانتخابية.
أما واقعة التسجيل الصوتي، فقد أصبحت بالفعل موضوع إجراء قضائي، وهو ما يجعل الكلمة الفصل في حقيقتها وملابساتها للبحث الذي تشرف عليه النيابة العامة.
وبين صناديق الاقتراع ومحاضر التصويت وملفات القضاء، تبقى المعلومة الدقيقة هي أساس التغطية المهنية، فيما يظل صوت الناخب وحده هو المحدد لنتائج الانتخابات.