من وعد استعماري صدر سنة 1917 إلى واقع جيوسياسي لا تزال المنطقة تعيش تداعياته.. كيف ساهم تصريح بلفور واتفاقيات القوى الكبرى في إعادة تشكيل خريطة الشرق الأوسط الحديث؟
في الثاني من نونبر سنة 1917، أصدرت الحكومة البريطانية وثيقة دبلوماسية لم تتجاوز بضعة أسطر، لكنها تحولت مع مرور الزمن إلى واحدة من أكثر الوثائق تأثيراً وإثارة للجدل في تاريخ الشرق الأوسط الحديث. يتعلق الأمر بتصريح بلفور، الذي حمل اسم وزير الخارجية البريطاني آنذاك آرثر جيمس بلفور، وأعلن من خلاله دعم بريطانيا لإقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، في خطوة فتحت الباب أمام تحولات سياسية واستعمارية عميقة، وأسهمت في تغيير مسار القضية الفلسطينية، ضمن سياق دولي اتسم بتفكك الإمبراطورية العثمانية وتنافس القوى الأوروبية على مناطق نفوذها في المشرق العربي.
ولم يكن هذا التصريح مجرد إعلان سياسي عابر أو موقف دبلوماسي منفصل عن محيطه التاريخي، بل جاء في مرحلة كانت فيها بريطانيا وفرنسا تعملان على ترتيب مستقبل الأراضي العربية الخاضعة للحكم العثماني، بما يضمن مصالحهما الاستراتيجية والعسكرية والاقتصادية. وبين الوعود المقدمة للعرب، والتفاهمات السرية بين القوى الأوروبية، والدعم البريطاني للمشروع الصهيوني، وجدت المنطقة نفسها أمام مسار سياسي معقد أسهم في رسم ملامح خريطة جديدة للشرق الأوسط.
وبعد مرور أكثر من قرن على صدور الوثيقة، لا تزال القضية الفلسطينية تحمل جانباً كبيراً من إرث تلك المرحلة، فيما تستمر الحدود والترتيبات السياسية التي أعقبت الحرب العالمية الأولى في التأثير على العلاقات والصراعات الإقليمية.
الحرب العالمية الأولى.. الخلفية التي مهدت لصدور تصريح بلفور
لفهم الأبعاد التاريخية والسياسية لتصريح بلفور، لا بد من العودة إلى ظروف الحرب العالمية الأولى التي اندلعت سنة 1914، حين دخلت الإمبراطورية العثمانية الحرب إلى جانب ألمانيا والنمسا والمجر، في مواجهة بريطانيا وفرنسا وحلفائهما.
ومع اتساع العمليات العسكرية وتراجع قدرة الدولة العثمانية على الاحتفاظ بممتلكاتها، بدأت القوى الأوروبية المنتصرة تستعد لمرحلة ما بعد الحرب، من خلال وضع تصورات لتوزيع الأراضي التي كانت خاضعة للسيادة العثمانية، وإعادة تنظيم مناطق النفوذ في بلاد الشام والعراق وفلسطين.
وكانت بريطانيا تنظر إلى المشرق العربي باعتباره مجالاً استراتيجياً بالغ الأهمية، بالنظر إلى موقعه الجغرافي القريب من قناة السويس، التي شكلت شرياناً حيوياً للمواصلات البحرية البريطانية نحو الهند والمستعمرات الآسيوية، فضلاً عن أهمية المنطقة في الحسابات العسكرية والتجارية والسياسية.
وفي هذا السياق، لم تكن السياسة البريطانية تجاه المنطقة قائمة على اتفاق واحد أو التزام محدد، بل اتخذت شكل شبكة من المراسلات والتفاهمات والوعود التي اختلفت أطرافها وأهدافها، وهو ما أدى لاحقاً إلى تناقضات عميقة بشأن مستقبل الأراضي العربية.
سايكس بيكو والمراسلات البريطانية العربية.. وعود متعارضة
في ماي 1916، توصلت بريطانيا وفرنسا إلى اتفاقية سايكس بيكو السرية، التي حملت اسمي الدبلوماسيين مارك سايكس وفرانسوا جورج بيكو، وحددت تصوراً لتوزيع مناطق النفوذ والسيطرة بين البلدين في أجزاء واسعة من المشرق العربي.
وبموجب هذه التفاهمات، جرى تخصيص مناطق نفوذ لفرنسا في بلاد الشام، وأخرى لبريطانيا في العراق ومناطق مجاورة، مع وضع ترتيبات خاصة بفلسطين، كان من بين تصوراتها إخضاعها لنظام إدارة دولية وفق الصيغة المتفق عليها آنذاك.
وفي الوقت نفسه، كانت لندن تجري اتصالات مع الشريف حسين بن علي، شريف مكة، من خلال المراسلات التي تبادلها مع المندوب السامي البريطاني في مصر هنري مكماهون بين عامي 1915 و1916.
وقد ارتبطت تلك المراسلات بتطلعات العرب إلى الاستقلال عن الحكم العثماني، مقابل التعاون مع بريطانيا خلال الحرب، غير أن حدود الأراضي التي شملتها الوعود البريطانية ظلت موضوع خلاف وتأويل.
وهكذا كانت بريطانيا تتحرك على أكثر من واجهة دبلوماسية، إذ تتفاوض مع فرنسا حول مناطق النفوذ، وتتبادل الوعود مع القيادة العربية بشأن الاستقلال، وفي الوقت نفسه تهيئ لدعم مشروع إقامة وطن قومي يهودي في فلسطين.
ويكشف هذا التداخل عن طبيعة الحسابات الاستعمارية التي حكمت السياسة الأوروبية خلال تلك المرحلة، حيث كانت مصالح القوى الكبرى حاضرة بقوة في تحديد مستقبل المنطقة، بينما ظلت تطلعات الشعوب العربية إلى تقرير مصيرها خاضعة لموازين القوى الدولية.
ماذا تضمن تصريح بلفور؟
في الثاني من نونبر 1917، وجه وزير الخارجية البريطاني آرثر جيمس بلفور رسالة إلى اللورد ليونيل والتر روتشيلد، أحد أبرز الشخصيات اليهودية في بريطانيا، أعلن فيها موقف الحكومة البريطانية الداعم لإقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين.
وتضمنت الرسالة تأكيد الحكومة البريطانية أنها تنظر بعين العطف إلى إقامة هذا الوطن، وأنها ستبذل قصارى جهدها لتسهيل تحقيق هذا الهدف، مع التنصيص على ضرورة عدم القيام بأي عمل من شأنه الانتقاص من الحقوق المدنية والدينية للطوائف غير اليهودية الموجودة في فلسطين، أو المساس بالحقوق والوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في البلدان الأخرى.
غير أن الصياغة التي اعتمدتها الوثيقة أثارت منذ البداية إشكالية سياسية وقانونية أساسية، تتعلق بطبيعة الحقوق التي اعترفت بها للسكان العرب الفلسطينيين.
فقد تحدث التصريح عن حماية الحقوق المدنية والدينية للطوائف غير اليهودية، لكنه لم يتضمن اعترافاً مماثلاً بحقوقها السياسية والوطنية، أو بحق سكان فلسطين في تقرير مصيرهم، رغم أنهم كانوا يشكلون غالبية السكان آنذاك.
ومن هنا برزت إحدى أبرز نقاط الانتقاد الموجهة إلى الوثيقة، إذ منحت الحكومة البريطانية لنفسها دوراً في تحديد مستقبل أرض لم تكن تملك السيادة عليها، وأعلنت دعم مشروع سياسي يتعلق بمستقبل سكانها، دون أن تجعل هؤلاء السكان طرفاً أساسياً في صياغة القرار.
كما أن التصريح لم يحدد طبيعة الوطن القومي المقترح ولا حدوده الجغرافية ولا نظامه السياسي، وهو ما ترك المجال مفتوحاً أمام تطورات لاحقة ستتجاوز في آثارها الصيغة الأولية للرسالة.
من إعلان سياسي إلى التزام في نظام الانتداب البريطاني
اكتسب تصريح بلفور أهمية أكبر عندما جرى إدماجه في نظام الانتداب البريطاني على فلسطين، الذي أقره مجلس عصبة الأمم سنة 1922، ودخل حيز التنفيذ سنة 1923.
فقد تضمنت ديباجة صك الانتداب الإشارة إلى الإعلان البريطاني الصادر في الثاني من نونبر 1917، كما نصت المادة الثانية على مسؤولية بريطانيا عن تهيئة الظروف السياسية والإدارية والاقتصادية اللازمة لإقامة الوطن القومي اليهودي، بالتوازي مع ضمان الحقوق المدنية والدينية لجميع سكان فلسطين.
ومنحت المادة الرابعة الوكالة اليهودية وضعاً مؤسساتياً يسمح لها بالتعاون مع الإدارة البريطانية في القضايا المرتبطة بإقامة الوطن القومي اليهودي ومصالح السكان اليهود.
كما تضمنت مواد أخرى مقتضيات مرتبطة بالهجرة والاستيطان وتطوير المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية، في إطار السياسة التي اعتمدتها الإدارة البريطانية خلال فترة الانتداب.
وبذلك انتقل تصريح بلفور من إعلان دبلوماسي صادر عن الحكومة البريطانية إلى مرجعية ضمن نظام دولي لإدارة فلسطين، الأمر الذي جعل بريطانيا طرفاً أساسياً في تنفيذ سياسة ساهمت في تغيير البنية السياسية والاقتصادية والسكانية للبلاد.
وقد أدى هذا المسار إلى تصاعد التوتر بين الحركة الوطنية الفلسطينية والإدارة البريطانية، خصوصاً مع تنامي الهجرة اليهودية وتوسع النشاط السياسي والتنظيمي للحركة الصهيونية، مقابل تزايد المطالب الفلسطينية الرافضة للانتداب وللمشروع الذي يستهدف إقامة وطن قومي يهودي على أرض فلسطين.
سايكس بيكو وبلفور.. وثيقتان في سياق إعادة تشكيل المشرق العربي
رغم ارتباط تصريح بلفور المباشر بفلسطين، فإن فهم تأثيره التاريخي يقتضي وضعه ضمن سياق أوسع من الترتيبات الدولية التي أعقبت الحرب العالمية الأولى.
فإذا كانت اتفاقية سايكس بيكو قد رسمت تصورات لتوزيع مناطق النفوذ بين بريطانيا وفرنسا، فإن تصريح بلفور ركز على دعم مشروع سياسي يتعلق بمستقبل فلسطين.
وبين الوثيقتين، ظهرت تناقضات السياسة البريطانية، التي كانت تسعى إلى ضمان مصالحها في المنطقة من خلال تفاهمات متعددة لم تكن متطابقة في مضامينها أو نتائجها.
وبعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، انتقلت هذه الترتيبات إلى مرحلة التنفيذ السياسي والإداري، خصوصاً خلال مؤتمر سان ريمو سنة 1920، الذي أقر توزيع الانتدابات على الأراضي العثمانية السابقة.
فقد حصلت بريطانيا على الانتداب على فلسطين والعراق، بينما حصلت فرنسا على الانتداب على سوريا ولبنان.
وهكذا بدأت ملامح خريطة سياسية جديدة للمشرق العربي تتشكل، استناداً إلى قرارات القوى المنتصرة في الحرب، أكثر مما استندت إلى تطلعات الحركات الوطنية التي كانت تطالب بالاستقلال والسيادة.
العراق وسوريا ولبنان والأردن.. كيف تشكلت الكيانات السياسية الحديثة؟
لم تقتصر نتائج ترتيبات ما بعد الحرب العالمية الأولى على فلسطين، بل امتدت إلى مختلف مناطق المشرق العربي، حيث شهدت الأراضي التي كانت خاضعة للحكم العثماني إعادة تنظيم سياسي وإداري أسهمت في ظهور كيانات جديدة.
العراق.. من الانتداب البريطاني إلى المملكة
خضع العراق للنفوذ البريطاني بعد الحرب العالمية الأولى، وعملت بريطانيا على إقامة نظام ملكي بقيادة فيصل بن الحسين، الذي توج ملكاً سنة 1921.
وجاء هذا المسار في ظل رفض شعبي واسع للوجود البريطاني، تجسد بشكل واضح في ثورة العشرين، التي عكست رغبة قطاعات واسعة من العراقيين في إنهاء السيطرة الأجنبية والمطالبة بحكم وطني مستقل.
ومع مرور الوقت، تطورت المؤسسات السياسية والإدارية العراقية، وصولاً إلى استقلال البلاد، غير أن مرحلة التأسيس تركت آثاراً عميقة في طبيعة النظام السياسي والعلاقات بين القوى المحلية والخارجية.
سوريا.. نهاية المملكة العربية وبداية الانتداب الفرنسي
أما سوريا، فقد دخلت مرحلة مختلفة بعد الحرب، إذ خضعت للانتداب الفرنسي، عقب دخول القوات الفرنسية دمشق سنة 1920، وإنهاء تجربة المملكة العربية السورية التي قادها الملك فيصل بن الحسين.
وعملت الإدارة الفرنسية على تقسيم البلاد إلى وحدات ومناطق إدارية ذات ترتيبات خاصة، في إطار سياسة هدفت إلى إحكام السيطرة على المجال السوري وإدارة مكوناته المحلية.
وقد شكلت هذه المرحلة منعطفاً أساسياً في التاريخ السياسي السوري، قبل أن تتطور الحركة الوطنية وتتصاعد المطالب بالاستقلال، وصولاً إلى إنهاء الانتداب.
لبنان.. إعلان دولة لبنان الكبير
وفي سنة 1920، أعلنت فرنسا قيام دولة لبنان الكبير، بعد توسيع حدود متصرفية جبل لبنان لتشمل بيروت وطرابلس وصيدا وصور ومناطق أخرى.
وشكل هذا الكيان الأساس الجغرافي والسياسي للدولة اللبنانية الحديثة، كما ساهمت ظروف نشأته في تكريس خصوصية التركيبة الطائفية والسياسية التي أثرت لاحقاً في نظام الحكم والمؤسسات الدستورية والعلاقات الداخلية.
شرق الأردن.. إمارة بقيادة عبدالله بن الحسين
وفي شرق نهر الأردن، ساهمت الترتيبات البريطانية في ظهور إمارة شرق الأردن سنة 1921 بقيادة الأمير عبدالله بن الحسين، قبل أن تحصل على استقلالها سنة 1946، وتصبح المملكة الأردنية الهاشمية.
كما جرى سنة 1922 اعتماد مذكرة خاصة باستثناء شرق الأردن من بعض أحكام الانتداب المتعلقة بإقامة الوطن القومي اليهودي والهجرة اليهودية، وهو ما ساهم في تكريس مسار سياسي وإداري منفصل عن فلسطين الواقعة غرب النهر.
وتوضح هذه التحولات أن الخريطة السياسية للمشرق العربي لم تتشكل بفعل تصريح بلفور وحده، بل كانت نتيجة تفاعل مجموعة من القرارات والاتفاقيات الدولية، إلى جانب المقاومة المحلية والحركات الوطنية والتوازنات التي فرضتها المرحلة.
فلسطين.. من الانتداب البريطاني إلى النكبة سنة 1948
ظل الملف الفلسطيني أكثر القضايا ارتباطاً بتصريح بلفور، بالنظر إلى أن الوثيقة شكلت أساساً سياسياً للدعم البريطاني لإقامة وطن قومي يهودي في فلسطين.
وخلال فترة الانتداب البريطاني، شهدت البلاد تحولات متسارعة على المستويات السكانية والاقتصادية والسياسية، ارتبطت بتزايد الهجرة اليهودية، وشراء الأراضي، وتطور المؤسسات السياسية والتنظيمية للحركة الصهيونية.
وفي المقابل، تصاعدت المطالب الوطنية الفلسطينية الرافضة للانتداب البريطاني، والمتمسكة بحق السكان العرب في تقرير مصيرهم والحفاظ على هويتهم وأرضهم.
وكانت ثورة فلسطين الكبرى بين عامي 1936 و1939 إحدى أبرز محطات المواجهة مع الإدارة البريطانية وسياساتها، حيث تحولت إلى حركة واسعة ذات أبعاد وطنية وسياسية واجتماعية، عكست عمق الأزمة التي كانت تعيشها فلسطين.
ومع استمرار التوترات وتصاعد المواجهات، وجدت بريطانيا نفسها أمام أزمة متفاقمة، قبل أن تقرر سنة 1947 إحالة القضية الفلسطينية إلى الأمم المتحدة، بعدما أصبح استمرار الانتداب أكثر صعوبة.
وفي 29 نونبر 1947، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار رقم 181، المعروف بقرار التقسيم، الذي أوصى بإنهاء الانتداب البريطاني وتقسيم فلسطين إلى دولتين، عربية ويهودية، مع وضع القدس تحت نظام دولي خاص.
لكن القرار لم يتحول إلى تسوية مقبولة من جميع الأطراف، واندلعت مواجهات مسلحة تواصلت مع إعلان قيام دولة إسرائيل في 14 ماي 1948، وانتهاء الانتداب البريطاني.
وأفضت حرب 1948 إلى تهجير ونزوح أكثر من نصف السكان العرب الفلسطينيين آنذاك، وفق المعطيات التاريخية التي تعرضها الأمم المتحدة، في واحدة من أكبر مآسي النزوح التي عرفتها المنطقة خلال القرن العشرين.
ويحيي الفلسطينيون ذكرى هذه الأحداث باسم النكبة، باعتبارها محطة مفصلية في تاريخهم الوطني، ارتبطت بفقدان الأرض وتشريد السكان وتفكك عدد كبير من التجمعات والقرى الفلسطينية.
وخلال الحرب، توسعت إسرائيل لتسيطر على نحو 77 في المائة من مساحة فلسطين التي كانت خاضعة للانتداب، فيما أصبحت الضفة الغربية تحت الإدارة الأردنية، وقطاع غزة تحت الإدارة المصرية.
وبذلك دخلت القضية الفلسطينية مرحلة جديدة، لم تعد تقتصر على رفض الانتداب ومواجهة المشروع الصهيوني، بل أصبحت ترتبط أيضاً بقضايا اللاجئين والحدود والاحتلال وحق العودة وتقرير المصير.
حرب 1967.. مرحلة جديدة من الصراع وتغيير موازين المنطقة
لم تتوقف تداعيات التحولات التي عرفتها فلسطين سنة 1948، بل استمرت في التأثير على المشرق العربي، حيث ظلت القضية الفلسطينية محوراً أساسياً في العلاقات العربية والدولية، وسط تعدد المبادرات السياسية والعسكرية واختلاف مواقف الدول من سبل مواجهة الصراع.
وفي يونيو 1967، اندلعت حرب الأيام الستة، التي انتهت باحتلال إسرائيل الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، وقطاع غزة، إضافة إلى شبه جزيرة سيناء المصرية وهضبة الجولان السورية.
وأنتجت هذه الحرب واقعاً جغرافياً وسياسياً جديداً، بعدما أصبحت إسرائيل تسيطر على أراضٍ عربية إضافية، وهو ما أعاد إلى الواجهة قضايا الاحتلال والانسحاب والحدود واللاجئين باعتبارها عناصر أساسية في أي تسوية سياسية مستقبلية.
وفي نونبر 1967، صدر قرار مجلس الأمن رقم 242، الذي أكد مبادئ تتعلق بانسحاب القوات الإسرائيلية من أراض احتلت خلال النزاع، وإنهاء حالات الحرب، واحترام سيادة دول المنطقة ووحدة أراضيها وحقها في العيش ضمن حدود آمنة ومعترف بها.
ومنذ ذلك الحين، ظلت تداعيات حرب 1967 حاضرة في مسارات الصراع العربي الإسرائيلي، سواء على المستوى السياسي أو الدبلوماسي أو العسكري، وأصبحت قضية الأراضي المحتلة والقدس واللاجئين من أبرز الملفات المطروحة في مختلف المبادرات الدولية.
تصريح بلفور وإشكالية الشرعية السياسية والحقوق الوطنية
تكمن إحدى أهم الإشكاليات التاريخية المرتبطة بتصريح بلفور في كونه صدر عن حكومة بريطانية لم تكن تملك السيادة على فلسطين، لكنها أعلنت دعمها لمشروع سياسي يتعلق بمستقبل أرض يعيش عليها شعب له وجوده التاريخي والاجتماعي والسياسي.
كما أن الوثيقة لم تقدم تصوراً واضحاً للحقوق السياسية للسكان الفلسطينيين، واكتفت بالإشارة إلى حماية حقوق الطوائف غير اليهودية المدنية والدينية، دون أن تعترف بصورة صريحة بحقها في تقرير المصير.
وهذه المفارقة جعلت التصريح موضع انتقاد تاريخي وسياسي مستمر، خصوصاً في ظل التناقض بين الوعود البريطانية المقدمة للعرب خلال الحرب العالمية الأولى، والتفاهمات السرية مع فرنسا، والدعم المعلن للمشروع الصهيوني في فلسطين.
ومن جهة أخرى، فإن التعامل الموضوعي مع تلك المرحلة يقتضي عدم اختزال جميع التحولات التي عرفها المشرق العربي في تصريح بلفور وحده، لأن تشكل الدول والحدود الحديثة كان نتيجة مجموعة من العوامل المتداخلة، من بينها انهيار الإمبراطورية العثمانية، واتفاقيات القوى الأوروبية، ونظام الانتداب، والحركات الوطنية المحلية، والتطورات الدولية التي أعقبت الحربين العالميتين.
فبلفور ارتبط أساساً بالمسألة الفلسطينية، بينما ارتبطت نشأة العراق وسوريا ولبنان وشرق الأردن بترتيبات سياسية وإدارية أخرى، وإن كانت جميعها تندرج ضمن السياق العام لإعادة تشكيل المنطقة بعد الحرب العالمية الأولى.
هل ما زال المشرق العربي يعيش على إرث سنة 1917؟
بعد مرور أكثر من قرن على صدور تصريح بلفور، لا تزال المنطقة تعيش تداعيات عدد من القرارات والترتيبات التي أعقبت الحرب العالمية الأولى، وإن كانت التطورات اللاحقة قد غيرت كثيراً من ملامح الخريطة السياسية التي ظهرت في بدايات القرن العشرين.
فالقضية الفلسطينية لا تزال تشكل أحد أبرز ملفات الصراع في الشرق الأوسط، كما تظل قضايا القدس والحدود واللاجئين والاحتلال والسيادة الوطنية حاضرة في النقاشات الدولية، رغم تعدد المبادرات والاتفاقيات التي عرفتها المنطقة.
وفي المقابل، شهدت الدول التي تشكلت خلال مرحلة الانتداب تحولات عميقة، شملت الاستقلال والانقلابات العسكرية والحروب الأهلية والصراعات الإقليمية، ما جعل واقع المشرق العربي يتجاوز بكثير التصورات الأولى التي وضعتها القوى الأوروبية بعد سقوط الدولة العثمانية.
فالعراق عرف تحولات سياسية وعسكرية متعاقبة، وسوريا دخلت في صراع داخلي طويل، ولبنان واجه أزمات سياسية وحروباً داخلية وتدخلات خارجية، بينما ظلت القضية الفلسطينية مرتبطة بمسار طويل من المواجهة والبحث عن تسوية عادلة ودائمة.
ومع ذلك، لا يمكن اعتبار الحدود التي وضعتها القوى الدولية وحدها تفسيراً كافياً لكل الأزمات التي عرفتها المنطقة، لأن لكل دولة مسارها الخاص، المرتبط بتوازناتها الداخلية وتطور مؤسساتها وصراعاتها الاجتماعية والسياسية، فضلاً عن التدخلات الخارجية.
لكن العودة إلى سنة 1917 تظل ضرورية لفهم الجذور التاريخية لبعض الإشكالات الكبرى التي ما زالت تؤثر في الشرق الأوسط، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بفلسطين وطبيعة الصراع الذي نشأ في ظل الانتداب البريطاني، واستمر بأشكال مختلفة بعد قيام إسرائيل.
خلاصة.. رسالة قصيرة تحولت إلى منعطف تاريخي
لم يكن تصريح بلفور مجرد رسالة دبلوماسية بريطانية صدرت في خضم الحرب العالمية الأولى، بل شكل حلقة أساسية ضمن سلسلة من التحولات السياسية والاستعمارية التي أعادت تشكيل المشرق العربي، وأسهمت في وضع الأسس الدولية والسياسية للمسار الذي قاد إلى قيام إسرائيل سنة 1948.
فمن اتفاقية سايكس بيكو سنة 1916، مروراً بتصريح بلفور سنة 1917 ومؤتمر سان ريمو سنة 1920، وصولاً إلى نظام الانتداب البريطاني والفرنسي، بدأت ملامح خريطة جديدة للمنطقة تتشكل، ظهرت معها كيانات سياسية حديثة في العراق وسوريا ولبنان وشرق الأردن، فيما دخلت فلسطين مساراً تاريخياً مختلفاً انتهى بالنكبة واستمرار الصراع.
وتبقى أهمية هذه الوثيقة مرتبطة بما كشفته من طبيعة العلاقات الدولية خلال تلك المرحلة، حين كانت القوى الكبرى تتخذ قرارات مصيرية بشأن مستقبل الشعوب والأراضي، وفق حسابات النفوذ والمصالح الاستراتيجية، دون مشاركة متكافئة من السكان المعنيين.
وبين رسالة صدرت في لندن يوم 2 نونبر 1917 وواقع إقليمي لا تزال تداعياته حاضرة، يظل تصريح بلفور شاهداً على مرحلة مفصلية من تاريخ المشرق العربي، وعلى الكلفة السياسية والإنسانية التي يمكن أن تترتب عن القرارات الدولية عندما تتقدم حسابات القوى الكبرى على حقوق الشعوب وتطلعاتها إلى الحرية والاستقلال وتقرير المصير.