يبدو أن مرحلة ضبط التسلح النووي القائمة على التفاهمات الثنائية بين الولايات المتحدة وروسيا تقترب من نهايتها، في ظل بروز واقع استراتيجي جديد متعدد الأقطاب، تتزايد فيه أهمية الصين كقوة نووية صاعدة. ويأتي ذلك بالتزامن مع توسع الترسانة النووية الصينية بوتيرة متسارعة، في وقت لا تزال فيه بكين متحفظة إزاء الانضمام إلى مفاوضات ثلاثية للحد من الأسلحة النووية.
وتشير تقديرات حديثة إلى أن الصين تمتلك نحو 620 رأساً نووياً، مع استمرارها في تطوير وسائل الإيصال البرية والبحرية والجوية. كما تواصل بكين بناء حقول جديدة للصواريخ الباليستية العابرة للقارات، إلى جانب تحديث الصواريخ المتحركة والغواصات القادرة على حمل أسلحة نووية، وهو ما يجعل الصين صاحبة أسرع ترسانة نووية نمواً بين الدول التسع المالكة للسلاح النووي، وفق تقديرات باحثين مستقلين.
ويكتسب هذا التطور أهمية أكبر في ظل انتهاء معاهدة “نيو ستارت” بين واشنطن وموسكو في فبراير 2026، وهي آخر اتفاق رئيسي كان يفرض قيوداً قانونية على الترسانتين النوويتين الأمريكية والروسية. ومع غياب إطار بديل شامل، تزداد المخاوف من دخول القوى النووية الكبرى مرحلة جديدة من المنافسة الاستراتيجية.
وتتمسك الصين، من جانبها، بموقف مفاده أن حجم ترسانتها لا يزال بعيداً عن الترسانتين الأمريكية والروسية، ولذلك تعتبر أن مطالبتها بالدخول في مفاوضات ثلاثية لنزع السلاح أو الحد منه غير عادلة في الظروف الحالية. وأكدت وزارة الخارجية الصينية أن واشنطن وموسكو، باعتبارهما صاحبتَي أكبر ترسانتين نوويتين، تتحملان مسؤولية أساسية في خفض أسلحتهما وتهيئة الظروف لمفاوضات أوسع.
لكن وتيرة التوسع الصيني تثير في المقابل قلقاً متزايداً لدى الولايات المتحدة وحلفائها. فالتقديرات الأمريكية تشير إلى أن الصين قد تتجاوز ألف رأس نووي قابل للإيصال بحلول عام 2030 إذا استمر المسار الحالي، بينما تتحدث دراسات مستقلة عن استمرار بناء الصوامع وتطوير الصواريخ والغواصات والطائرات القادرة على تنفيذ مهام نووية.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن الصين تتجه إلى تحقيق تكافؤ عددي مباشر مع الولايات المتحدة أو روسيا، إذ لا تزال الفجوة كبيرة بين الترسانات الثلاث. غير أن التغير الأهم يكمن في انتقال النظام النووي من نموذج يقوم أساساً على توازن أمريكي-روسي إلى بيئة تضم قوة ثالثة تتوسع بسرعة، وهو ما يجعل قواعد الضبط التقليدية أكثر تعقيداً.
ويرى خبراء في الحد من التسلح أن هذا التحول يفرض إعادة التفكير في آليات السيطرة على الأسلحة النووية، بحيث لا تقتصر على الاتفاقات الثنائية، بل تشمل ترتيبات متعددة الأطراف لخفض المخاطر وتعزيز الشفافية ومنع سوء التقدير. كما أن غياب القيود القانونية الملزمة قد يدفع الدول النووية إلى تسريع برامج التحديث وتطوير أنظمة أكثر تنوعاً وقدرة على الردع.
وبذلك، تبدو المعادلة النووية العالمية أمام مرحلة دقيقة: الصين توسع ترسانتها، والولايات المتحدة وروسيا تفتقدان إطاراً ملزماً جديداً، فيما تتراجع أدوات الضبط التي حكمت العلاقات النووية لعقود. وفي عالم يتجه نحو تعدد مراكز القوة، قد يصبح بناء نظام جديد للحد من التسلح النووي أكثر صعوبة، لكنه في الوقت نفسه أكثر إلحاحاً لتفادي سباق تسلح قد يرفع مخاطر التصعيد وسوء الحسابات على المستوى الدولي.