جريدة

ترامب وإيران.. تفاوض بشروط أميركية أم مواجهة مفتوحة؟

عاد الملف الإيراني إلى واجهة المشهد الدولي بعد الخطاب الذي ألقاه الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث وجه رسائل حادة إلى طهران، داعياً إياها إلى الدخول في مفاوضات وفق شروط جديدة، بالتزامن مع إبقاء خيار التصعيد قائماً.

ووصف ترامب إيران بأنها “الراعي الأول للإرهاب في العالم”، في تصريحات اعتبر محللون أنها تعكس نهجاً يعتمد بصورة أكبر على الضغط والقوة في التعامل مع طهران.

وأثارت تصريحات الرئيس الأميركي نقاشاً بين ثلاثة خبراء شاركوا في برنامج “التاسعة” على سكاي نيوز عربية، حيث رأى محلل الشؤون السياسية والعسكرية مهند العزاوي ورئيس المجلس الاستشاري في جامعة ماريلاند فرانك مسمار أن طهران تدخل مسار التفاوض في ظروف صعبة، بينما قدم رئيس نقابة مديري مراكز الأبحاث والدراسات الإيرانية عماد أبشناس قراءة مختلفة، معتبراً أن إيران خرجت من المواجهة الأخيرة بقدرة أكبر على الصمود.

واشنطن تسعى إلى إعادة صياغة شروط التفاوض

قال مهند العزاوي إن تصريحات ترامب تعكس تغيراً في طبيعة الطرح الأميركي بشأن أي اتفاق محتمل مع إيران، مشيراً إلى أن المقترحات التي جرى تداولها بشأن تقديم تنازلات مرتبطة بالممرات المائية مقابل تخفيف الضغوط لم تعد، بحسب تقديره، كافية لإقناع واشنطن.

وأضاف أن طهران، وفق قراءته، راهنت على عوامل سياسية واستراتيجية، من بينها انتخابات التجديد النصفي الأميركية وممرات الملاحة في المنطقة، باعتبارها أوراقاً يمكن استخدامها للتأثير على القرار الأميركي.

من جهته، اعتبر فرانك مسمار أن جوهر الخلاف يرتبط بميزان القدرة على فرض الشروط خلال المفاوضات. وقال إن إيران حاولت توظيف ملف الطاقة والممرات البحرية لتعزيز موقعها، غير أن ربط الإدارة الأميركية أزمة الطاقة بملفات أخرى، من بينها تداعيات أزمة الديزل الروسي، حدّ من فاعلية هذه الورقة، وفق تقديره.

في المقابل، رفض عماد أبشناس هذه القراءة، معتبراً أن الخطاب الأميركي يعكس، من وجهة نظره، ارتباكاً في التعامل مع الملف الإيراني.

كما شكك أبشناس في صحة التقارير التي تحدثت عن مبادرة إيرانية تتعلق بفتح مضيق هرمز لفترة محددة مقابل تخفيف العقوبات والضغوط، موضحاً أن المطلب الإيراني، بحسب روايته، يتمثل في وقف شامل ودائم للحرب في المنطقة، وأن طهران مستعدة للسلام إذا وافقت واشنطن على هذا الطرح.

خلاف حول مذكرة التفاهم السابقة

وشمل النقاش كذلك مستقبل مذكرة التفاهم التي سبق أن أبرمت بين الجانبين.

وقال العزاوي إن ترامب أعلن في مناسبات عدة التخلي عن الاتفاق السابق، وهو ما يعني، بحسب قراءته، أن الإدارة الأميركية تتجه نحو صياغة أي اتفاق جديد وفق شروط مختلفة عن التفاهمات السابقة.

في المقابل، حمل أبشناس الولايات المتحدة مسؤولية عدم الالتزام بما تم الاتفاق عليه، مشيراً إلى وجود بنود معلنة وأخرى غير معلنة في مذكرة التفاهم، قال إن قطر وباكستان كانتا على علم بها.

وأضاف أن الولايات المتحدة حاولت، خلال فترة المواجهات التي استمرت لأسابيع، فتح الممر الجنوبي، لكنها لم تتمكن من تحقيق ذلك قبل توقيع مذكرة التفاهم، وفق روايته.

تباين في تقييم نتائج المواجهة

واختلف المشاركون في تقييم نتائج المواجهة الأخيرة بين إيران وخصومها.

فقد قدم العزاوي تقييماً يشير إلى تعرض القدرات الإيرانية لخسائر كبيرة، متحدثاً عن مقتل عدد من قيادات الحرس الثوري واستهداف مواقع وقيادات بارزة، فضلاً عن تضرر القدرات البحرية الإيرانية.

وأشار إلى أن التفوق الأميركي في مجالات الجو والفضاء والبحر، وفق تقديره، أدى إلى تقليص قدرة إيران على تنفيذ عمليات واسعة والتحرك بحرية.

أما أبشناس، فرفض اعتماد حجم الخسائر وحده معياراً للحكم على نتيجة الحرب، موضحاً أن تقييم النتيجة يجب أن يرتبط بمدى تحقيق كل طرف للأهداف التي أعلنها قبل المواجهة.

وبحسب قراءته، لم تتمكن الولايات المتحدة من تحقيق أهدافها المعلنة، في حين نجحت إيران في رفع تكلفة المواجهة بالنسبة إلى واشنطن وحلفائها، وهو ما دفعه إلى اعتبار أن طهران خرجت من المواجهة في موقع أقوى مما كانت عليه.

الضغوط الاقتصادية والسياسية داخل إيران

وتطرق النقاش أيضاً إلى الوضع الداخلي الإيراني في ظل العقوبات والتوتر العسكري.

وقال العزاوي إن هناك، وفق تقديره، فجوة متزايدة بين مؤسسات الحكم، وبين قطاعات من المجتمع الإيراني التي تتحمل تداعيات العقوبات والضغوط الاقتصادية، مشيراً كذلك إلى القيود المفروضة على الإنترنت وعدد من الإجراءات الأمنية الداخلية.

كما تحدث عن اعتماد الحرس الثوري على شبكات اقتصادية وتهريبية وعلاقات مع كل من الصين وروسيا لمواجهة تأثير العقوبات والضغوط الخارجية.

وأقر أبشناس بوجود صعوبات اقتصادية داخل إيران، مرجعاً جزءاً منها إلى العقوبات وسوء الإدارة والفساد، لكنه شدد على أن المواطنين العاديين يتحملون الجزء الأكبر من تداعيات هذه الأوضاع.

وأضاف أن المواجهة الأميركية والإسرائيلية أدت، بحسب تقديره، إلى توحيد قطاعات من الشارع الإيراني مع القيادة، بعدما كانت الاحتجاجات الداخلية مرشحة للتوسع قبل اندلاع الحرب.

الانتخابات الأميركية وتأثيرها على الملف الإيراني

وحول الانتخابات النصفية الأميركية، استبعد مسمار أن تؤدي نتائجها بالضرورة إلى تغيير جذري في طريقة إدارة ترامب للملف الإيراني، في حين قال أبشناس إن طهران لا تبني حساباتها على انتظار نتائج الانتخابات، وإنما تسعى إلى ممارسة ضغوط اقتصادية وسياسية قبل موعدها.

ورأى مسمار أن واشنطن لا تعلن رسمياً أن هدفها إسقاط النظام الإيراني، وإنما تتحدث عن دفع طهران إلى تغيير سلوكها، مشيراً إلى أن الإدارة الأميركية قد تفضل حدوث تغيير داخلي على الدخول في حرب شاملة يمكن أن تؤدي إلى حالة من الفوضى وعدم الاستقرار.

وفي المقابل، تتابع دول الخليج تطورات المواجهة بين واشنطن وطهران عن كثب، في ظل المخاوف من تداعيات أي تصعيد جديد على أمن المنطقة والاقتصادات المحلية، فضلاً عن احتمال زيادة الضغوط المرتبطة بالهجرة والنزوح.

وتستمر في الوقت ذاته قنوات التواصل بين عدد من دول المنطقة وطهران، ومن بينها قطر، في محاولة للحفاظ على مسارات الحوار وتقليل احتمالات اتساع دائرة التصعيد.