جريدة

حين يتحول القلم إلى أداة ابتزاز من يحمي هيبة الصحافة؟

مصطفى القرفي

تُعتبر الصحافة سلطة رابعة، مهمتها نقل الحقيقة والدفاع عن قضايا المجتمع، وسلاحها الكلمة الحرة، أما رأسمالها الحقيقي فهو المصداقية والثقة. غير أن السنوات الأخيرة عرفت تسلل بعض الدخلاء إلى المهنة، ممن حوّلوا البطاقة الصحفية من وسيلة لخدمة المواطن إلى أداة للابتزاز والمساومة.

الصحافي المهني ينزل إلى الميدان بحثاً عن الخبر، يتحقق من المعطيات، يستمع إلى مختلف الأطراف، ويمنح حق الرد قبل النشر. أما ما بات يُعرف وسط المهنيين بـ”الصحافي المرايقي”، فهو لا يبحث عن الحقيقة بقدر ما يبحث عن “الزبون”.

يقضي هذا النوع من الأشخاص يومه متنقلاً بين المقاهي والإدارات والجماعات المحلية، حاملاً هاتفه وكاميرته لا لتوثيق الأحداث، بل لالتقاط ما يمكن تحويله إلى وسيلة ضغط. يجمع صوراً ومعلومات متفرقة، ثم يصنع منها “ملفاً” على المقاس، قبل أن تبدأ مرحلة المساومة.

تبدأ العملية غالباً باتصال هاتفي يحمل لهجة “ودية”، مضمونها أن معطيات معينة وصلت إلى “الصحافي”، وأن نشرها وارد، لكن “التفاهم” يبقى ممكنا.
وفي قاموس هؤلاء، لا يعني “التفاهم” سوى دفع المال مقابل الصمت أو حذف المحتوى.

وتختلف قيمة المبالغ المطلوبة حسب الحالة، فقد تكون مبالغ مالية مباشرة، أو إعلانات وهمية في مواقع إلكترونية مجهولة، أو حتى دعوات لعشاء ومجاملات مختلفة، المهم تحقيق منفعة شخصية مقابل إسكات القلم.

يعتمد هؤلاء على صفحات فايسبوك بأسماء مثيرة مثل “الفضائح” و”صوت الشعب” و”الحقيقة الكاملة”، إضافة إلى مواقع إلكترونية تفتقر إلى أبسط الشروط القانونية والمهنية، لا مقر لها ولا هيئة تحرير ولا مدير نشر مسؤول.

فبمجرد شراء نطاق إلكتروني بثمن زهيد، يتحول صاحبه إلى “مدير منبر إعلامي”، مستغلاً غياب الوعي لدى بعض المواطنين، ورهبة البعض من التشهير والفضائح.

يبقى الفرق واضحاً بين الصحافي المهني والدخيل على المهنة:الصحافي الحقيقي يحقق في الوقائع، يواجه الأطراف المعنية، يمنح حق الرد، وينشر وفق قواعد المهنة، كما يتحمل مسؤوليته القانونية والأخلاقية.
أما المبتز، فيفضل الاختباء والمساومة قبل النشر، ويسارع إلى حذف المحتوى بمجرد حصوله على المقابل، لأنه يدرك أن ما يروجه يفتقر إلى المصداقية.
تراجع الثقة في الإعلام

هذه الممارسات ساهمت بشكل كبير في تآكل الثقة بين المواطن ووسائل الإعلام، حيث أصبح كثيرون ينظرون بريبة إلى أي كاميرا أو ميكروفون، فيما بات بعض المسؤولين يرفضون التعامل مع منابر إعلامية خوفاً من الوقوع ضحية للابتزاز أو التشهير.

ويرى مهنيون أن استمرار هذه الظواهر يسيء إلى صورة الصحافة الجادة، ويضرب جهود الصحافيين المهنيين الذين يمارسون عملهم وفق أخلاقيات المهنة وقواعد القانون.

القانون المغربي يجرّم الابتزاز بشكل صريح، إذ ينص الفصل 538 من القانون الجنائي على عقوبات قد تصل إلى خمس سنوات حبساً، خصوصاً إذا تم استغلال صفة أو مهنة من أجل الضغط أو الحصول على منفعة غير مشروعة.

وفي هذا السياق، يدعو متابعون المواطنين والمسؤولين إلى عدم الرضوخ لأي محاولة ابتزاز، مع ضرورة توثيق المكالمات والرسائل وتقديم شكايات للجهات القضائية المختصة.

العديد من الأصوات داخل الجسم الصحفي تؤكد أن محاربة هذه السلوكيات مسؤولية جماعية، تبدأ من فضح الممارسات المشبوهة، وتمر عبر تفعيل أدوار الهيئات المهنية، وعلى رأسها النقابات والمجلس الوطني للصحافة، وصولاً إلى التطبيق الصارم للقانون.

فالصحافة، في جوهرها، رسالة ومسؤولية، وليست وسيلة للاغتناء السريع أو تصفية الحسابات. وحماية هيبة المهنة تظل رهينة بقدرة المهنيين والمؤسسات على التصدي لكل من يحاول تحويل القلم إلى أداة للابتزاز بدل أن يبقى صوتاً للحقيقة.