بمناسبة تخليد اليوم العالمي للشغل فاتح ماي، وفي ظل سياق وطني ودولي يتسم بتعقيدات اقتصادية واجتماعية متزايدة، يعلن المكتب المركزي للعصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان للرأي العام الوطني والدولي موقفه الحقوقي الثابت من أوضاع الشغيلة المغربية، مستحضراً ما ترفعه هذه المناسبة من رمزية نضالية وتاريخية مرتبطة بالكفاح من أجل العدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، ومؤكداً أن هذه الذكرى لم تعد مجرد لحظة احتفالية، بل تحولت إلى محطة لتقييم السياسات العمومية ومدى احترامها للحقوق الاقتصادية والاجتماعية كما هي منصوص عليها في الدستور المغربي والمواثيق الدولية ذات الصلة.
إن العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان، وهي تتابع تطور أوضاع الشغل بالمغرب، تسجل أن المؤشرات الرسمية الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط تكشف مفارقة بنيوية عميقة؛ ففي الوقت الذي تم فيه تسجيل خلق ما يقارب 282 ألف منصب شغل بين الفصل الأول من سنة 2024 ونظيره من سنة 2025، فإن هذه الدينامية لم تنعكس بشكل متوازن على مختلف الفئات والمجالات، حيث تركزت أساساً في الوسط الحضري مقابل تراجع في الوسط القروي، وهو ما يعكس اختلالاً هيكلياً في توزيع فرص الشغل ويكرس الفوارق المجالية والاجتماعية . كما أن نسبة البطالة، رغم تسجيلها انخفاضاً نسبياً إلى حدود 12.8% خلال سنة 2025، لا تزال تعكس هشاشة سوق الشغل، خاصة في صفوف النساء والشباب، حيث تعرف بطالة الشباب مستويات مقلقة تتجاوز ثلث هذه الفئة، ما يشكل مؤشراً خطيراً على فشل السياسات العمومية في تحقيق الإدماج الاقتصادي والاجتماعي الحقيقي .
إن هذه الأرقام، على أهميتها، تخفي واقعاً أكثر تعقيداً، يتمثل في تفشي ظاهرة الشغل الهش، واتساع دائرة العمل غير المهيكل، وارتفاع معدلات التشغيل الناقص التي بلغت حوالي 11.8%، وهو ما يعني أن فئات واسعة من العمال تشتغل في ظروف لا تضمن الحد الأدنى من العيش الكريم، سواء من حيث الأجر أو الاستقرار المهني أو الحماية الاجتماعية . وهو ما يجعل من الحق في الشغل، كما هو منصوص عليه في الفصل 31 من الدستور، حقاً منقوصاً في غياب شروط الكرامة والعدالة.
وتسجل العصبة بقلق بالغ استمرار التدهور النسبي للقدرة الشرائية للطبقة العاملة، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة، مقابل محدودية الأجور، وهو ما أكدت عليه أيضاً تقارير نقابية متعددة اعتبرت أن فاتح ماي أصبح مناسبة للاحتجاج أكثر منه للاحتفال، في ظل ما وصفته بأزمة اجتماعية متفاقمة وضعف الحوار الاجتماعي الحقيقي . إن هذا الوضع يعكس خللاً في توزيع الثروة، وغياب سياسات عمومية عادلة تضمن الإنصاف الاجتماعي، وهو ما يتعارض مع التزامات المغرب الدولية، خاصة العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
وعلى مستوى شروط العمل، فإن العصبة تسجل بقلق استمرار الخروقات المرتبطة بالسلامة والصحة المهنية، حيث تشير المعطيات إلى تسجيل ما يقارب 45 ألف حادثة شغل سنوياً، تؤدي إلى حوالي 2000 وفاة، وهو رقم صادم يعكس ضعف آليات المراقبة وغياب ثقافة الوقاية داخل العديد من المقاولات . كما أن القطاعات الأكثر عرضة لهذه الحوادث، وعلى رأسها البناء والأشغال العمومية، تظل تشغل أعداداً كبيرة من العمال في ظروف تفتقر لأبسط شروط السلامة، في غياب تفعيل صارم لمقتضيات مدونة الشغل.
إن هذا الواقع يطرح بإلحاح مسألة المسؤولية القانونية والأخلاقية للدولة ولأرباب العمل، ويؤكد أن الحق في الحياة والسلامة الجسدية داخل فضاء العمل لا يزال مهدداً، في تناقض صارخ مع مقتضيات الدستور الذي ينص على حماية هذه الحقوق، ومع الاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب، خاصة اتفاقيات منظمة العمل الدولية المتعلقة بالصحة والسلامة المهنية.
كما تسجل العصبة أن الهشاشة لا تقتصر على القطاع الخاص، بل تمتد إلى فئات واسعة من العاملين في الوظيفة العمومية، خاصة في قطاعات حيوية كالصحة والتعليم، حيث تعاني هذه الفئات من ضغط العمل، وضعف الإمكانيات، وغياب التحفيز، وهو ما يؤثر بشكل مباشر على جودة الخدمات العمومية وعلى الحقوق الأساسية للمواطنين.
وفي سياق متصل، تؤكد العصبة أن الحق في التنظيم النقابي والإضراب لا يزال يواجه تحديات حقيقية، سواء من خلال التضييق على العمل النقابي داخل بعض المؤسسات، أو من خلال محاولات تقنين الإضراب بشكل قد يمس بجوهر هذا الحق، الذي يشكل أحد أهم مكتسبات الحركة العمالية. إن أي إصلاح تشريعي في هذا المجال يجب أن يتم في إطار حوار وطني حقيقي، يضمن التوازن بين حقوق العمال ومصالح الاقتصاد، دون المساس بالحقوق الأساسية.
كما لا يفوت العصبة أن تشير إلى أن فئات واسعة من العمال، خاصة في القطاع غير المهيكل، لا تزال خارج أي حماية قانونية أو اجتماعية، وهو ما يشكل انتهاكاً صارخاً لمبدأ المساواة، ويطرح تحديات كبرى أمام تعميم الحماية الاجتماعية، التي تبقى ورشاً استراتيجياً يتطلب إرادة سياسية قوية وآليات تنفيذ فعالة.
إن العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان، وهي تستحضر هذه المعطيات، تؤكد أن الوضع الحالي يقتضي مراجعة جذرية للسياسات العمومية في مجال التشغيل، تقوم على مقاربة حقوقية شاملة تجعل من الإنسان محوراً أساسياً، وتضمن الربط بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية. كما تدعو إلى تعزيز آليات المراقبة، وتفعيل القوانين بشكل صارم، وربط المسؤولية بالمحاسبة في كل ما يتعلق بانتهاك حقوق العمال.
وتشدد العصبة على أن تحقيق العدالة الاجتماعية يمر عبر إصلاح منظومة الأجور، وضمان حد أدنى للأجور يواكب تكاليف المعيشة، وتعزيز الحماية الاجتماعية، وتعميم التغطية الصحية، وضمان شروط عمل لائقة تحترم الكرامة الإنسانية. كما تدعو إلى إدماج الشباب في سوق الشغل من خلال سياسات مبتكرة، تراعي التحولات الاقتصادية والتكنولوجية.
وفي هذا السياق، تؤكد العصبة أن بناء نموذج تنموي جديد لا يمكن أن يتحقق دون إشراك فعلي للطبقة العاملة، وتمكينها من حقوقها، وضمان مشاركتها في صنع القرار، سواء من خلال النقابات أو عبر آليات الديمقراطية التشاركية.
وختاماً، فإن العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان، وهي تخلد فاتح ماي، تجدد التزامها بالدفاع عن حقوق الشغيلة، وتدعو كافة الفاعلين، من دولة ومؤسسات ومجتمع مدني، إلى تحمل مسؤولياتهم من أجل بناء مغرب تسوده العدالة الاجتماعية، وتتحقق فيه الكرامة الإنسانية، ويكون فيه العمل مصدراً للعيش الكريم، لا سبباً في الهشاشة والمعاناة. كما تدعو إلى جعل هذه المناسبة محطة حقيقية للمساءلة والتقييم، والانخراط في إصلاحات عميقة تضع الإنسان في صلب كل السياسات العمومية، وتعيد الاعتبار لقيمة العمل كركيزة أساسية لأي مشروع مجتمعي عادل ومنصف.