أثار قرار إحالة مشروع القانون المنظم لمهنة المحاماة على المحكمة الدستورية نقاشا واسعا داخل الأوساط القانونية والمهنية، وسط تباين في قراءة خلفيات هذه الخطوة وآثارها على مستقبل النص التشريعي الذي أثار جدلا منذ بداية مسطرة مناقشته.
وتوزعت المواقف بين من اعتبر الإحالة خطوة سياسية تهدف إلى امتصاص غضب المحامين، خاصة بعد الانتقادات التي رافقت السرعة التي اعتمدت في مسطرة التشريع، واعتبار عرض المشروع على المحكمة الدستورية مطلبا طالبت به فئات واسعة من رجال ونساء المهنة. في المقابل، يرى آخرون أن القرار يشكل فرصة قانونية مهمة ينبغي استثمارها، سواء لتأجيل دخول القانون حيز التنفيذ أو لإعادة النظر في بعض المقتضيات التي ظلت محل خلاف بين وزارة العدل وهيئات المحامين.
وفي خضم هذا الجدل، يبرز تساؤل قانوني يتعلق بإمكانية تدخل هيئات المحامين في المسطرة الجارية أمام المحكمة الدستورية، ومدى أحقيتها في تقديم مذكرات أو ملاحظات بشأن مشروع القانون المعروض على أنظارها.
ويذهب أصحاب هذا الطرح إلى اعتبار المرحلة الحالية فرصة استثنائية لتعزيز الممارسة الديمقراطية وإغناء النقاش الدستوري، داعين هيئات المحامين إلى إعداد مذكرات قانونية تعكس مواقفها وتدافع عن تصورها لمستقبل المهنة، بما ينسجم مع أهمية المشروع المطروح.
غير أن الإطار الدستوري المنظم للمسطرة أمام المحكمة الدستورية يحصر حق إحالة مشاريع القوانين في الجهات التي حددها الدستور على سبيل الحصر، دون أن يمنح الأشخاص أو الهيئات المهنية حق التدخل المباشر أو تقديم مذكرات دفاعية بحكم ارتباط مصالحهم بالنصوص المحالة.
وبما أن مشروع قانون مهنة المحاماة أحيل إلى المحكمة الدستورية من طرف رئيس مجلس النواب، في إطار الاختصاصات الدستورية المخولة له، فإن هيئات المحامين لا تتوفر، من الناحية الدستورية، على الصفة التي تخول لها مباشرة أي إجراء داخل هذه المسطرة، ولا تملك حقا إجرائيا أصيلا لتقديم مذكرات أمام المحكمة.
ورغم ذلك، يرى مختصون أن المجال يبقى مفتوحا، من باب الإسهام التفسيري وإثراء النقاش القانوني، أمام هيئات المحامين لتوجيه ملاحظات أو مذكرات إلى المحكمة الدستورية، سواء بشكل منفرد أو من خلال مذكرة موحدة. غير أن قبول هذه المذكرات والاطلاع عليها يبقى خاضعا للسلطة التقديرية للمحكمة، التي لا تكون ملزمة قانونا بأخذها بعين الاعتبار أو الإشارة إليها في قرارها النهائي.
وبذلك، تظل إحالة مشروع قانون مهنة المحاماة على المحكمة الدستورية محطة مفصلية، ليس فقط لمآل النص التشريعي، وإنما أيضا لإثارة نقاش أوسع حول حدود مشاركة الهيئات المهنية في الرقابة الدستورية وإمكانية تطوير آليات تتيح مساهمة الفاعلين المعنيين في القضايا ذات الصلة بمهنهم واختصاصاتهم.